إلاَّ أنَّهم ميّزوا بين الواجب الذي ثبت بدليل قطعيّ؛ فحكموا بكفر جاحده، والواجب الذي ثبت بدليل ظنيّ؛ فقالوا: إذا جحده إنسان لم يكفر بذلك، ويلزم المكلَّف العمل به، وإذا تركه المكلَّف من غير تأويل ولا استخفاف به عُدَّ فاسقاً، لخروجه عن طاعة الله تعالى بترك ما أوجب عليه، ومن تركه عن تأويل لا يُعَدُّ فاسقاً؛ لأنَّه اجتهاد في ظنيّ، ولذلك قال ابن عابدين: "وتارك العمل به إنْ كان متأوّلاً لا يُفسَّق ولا يُضلَّل؛ لأنَّ التأويل في مظانه من سيرة السَّلف" (1) . وقال التَّفتازانيّ: "فالفرض لازمٌ علماً وعملاً حتَّى يكفر جاحده، والواجب لازمٌ عملاً لا علماً، فلا يكفر جاحده؛ بل يفسق إنْ استخفّ بأخبار الآحاد الغير مؤولة، وأمَّا مؤولة فلا، ويعاقب تاركهما" (2) .
فاختلف حكم "الواجب" عن حكم "الفرض" باتّفاق العلماء، سواء منهم الجمهور الذين أطلقوا عليهما اسماً واحداً، والحنفيّة الذين فرَّقوا بينهما بالتَّسمية (3) .
فما الفرق بين قول علماء الأصول هذا وبين ما ذهب عامَّة المتكلّمين من الأشاعرة وغيرهم بأنَّ خبر الآحاد لا تثبت به العقيدة؟
لا فرق عند مَنْ يدرك هذه الاصطلاحات عند أولئك الأئمة الأعلام. فرحم الله تعالى هذه الكوكبة التي أنارت لنا الطَّريق، وأبلت في الذَّود عنه البلاء الحسن، ورزقنا حُسْن الأدب معهم، ونفعنا بعلمهم.
خاتمة:
هذه خاتمة موجزه وضعت فيها أهم ما توصَّلتُ إليه من نتائج وتوصيات، وهي :
أولاً: النَّتائج:
[1] اتّفق أهل السُّنَّة على وجوب العمل بخبر الآحاد، وذهب جمهورهم ـ ومنهم الإمام أحمد ـ على التَّحقيق إلى أنَّه يفيد الظَّنّ دون العلم.
(1) ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار، 1/70.
(2) التفتازاني: التلويح، 2/271-272.
(3) ابن السبكي: منع الموانع عن جمع الجوامع، ص121، والتفتازاني: التلويح، 2/272.