ثم إن سكان الروسية منقسمون على خمس طبقات؛ وهي: جماعة النوبليس، أي الأعيان؛ والكلارجي، أي أهل الكنيسة؛ والبرجوي، أي سكان الحواضر؛ والبيزان أي أهل البادية والقرى، وهم قسمان: أحرار وسرف؛ أي مستعبدون تابعون لغيرهم. ولطبقة الأعيان مزيد سلطة على غيرهم خصوصا فيما يملكون من الأراضي، وعددهم يبلغ أربعمائة ألف نفس، وعدد الطبقة الثانية يبلغ مائتين وخمسة وأربعين ألف نفس، وهاتان الطبقتان لا يدفع أهلهما شيئا من الأداء للدولة. وأما طبقة السرف فقد خرجت من ربقة الرق بالأمر الصادر في التاسع عشر من فراير سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف.
وأمر التمدن في الروسية مختلف باختلاف البلدان ومواقعها وعاداتها، والعلوم والآداب وسائر الصناعات لا تنمو إلا في بلدان مخصوصة، ولا يوجد في المملكة كلها إلا تسعة مراكز أصلية لتعليم العلوم، لكن الإمبراطور الموجود الآن لم يزل مجتهدا في تحرير إدارة لائقة فيما يتعلق بتعليم العامة.
ثم إن ناحيتي الجنوب والغرب من المملكة المذكورة أخصب وأغنى وأعمر من بقية الجهات، لكن من تجاوز مدينة موسكو ووادي ولغا يرى أن عدد البلدان والقرى والحرث قليل جدا، وأكثر الأراضي فلوات معطلة لا تنبت إلا الحشيش أو مناقع مغطاة بالثلج أو مقاطع أو أماكن حيوانات ينتفع بجلودها، ومن ذلك سيبيريا التي هي من آسيا لا يوجد بها إلا المتوحشون من الناس أو المنفيون إليها والذين يحرسونهم. واعلم أن وطأة البرد تشتد على ثلاثة أرباع المملكة في الأقل مدة تسعة أشهر من السنة ويعقبها صيف في غاية الحر والقصر، وفي الناحية القبلية من المملكة يعتدل الهواء، وتوريد وأرمينية وبسرابيا ذوات هواء طيب، وأرض أوروبا منها مختلفة اختلافا بينا ولذلك اختلفت نباتاتها، وكتان الكورلاند والليفونيا في غاية الجودة، وهذا النوع مع القنب من جوالب الغنى المعتبر، وإيالة الأوكرانيا من أخصب مواضع المعمور في نبات الحبوب التي يحمل منها مقدار وافر إلى كثير من الممالك، ويوجد في غالب أرضها أجمات ممتدة ومنها يجلب الصمغ المعبر عنه بالرجينة والقطران وأخشاب السفن الفائقة. وفي آسيا بنواحي بحر الخزر ينبت الراوند وغيره من أنواع النباتات التي يتداوى بها، ونبات الدخان كثير في الإيالات الجنوبية وكذا في إيالات الأوكرانيا والفاروناج وسراتوف وتوريد، ويزرع اللفت الأحمر في مقدار أربعين ألف إكتار (والإكتار عشرة آلاف متر مربعا)، ويزرع في غالب أراضي المملكة الهبلون وبإيالة استراكان ينبت القرمز، وفي قبلي الكوكاز خصوصا أرمينية ينبت القطن، وينبت الفلفل على شطوط وادي سامارا، وفي توريد ونواحي الكوكاز وإيالة استراكان توجد الثمار الجيدة ويستخرج من عنبها الخمر المعدودة عندهم من أنواعها الطيبة، كما يوجد بالمملكة المذكورة سائر الحيوانات المخلوقة لنفع الإنسان خصوصا ذوات الشعر فلها بها شهرة عن بقية الممالك، ولهذه المملكة مقاطع عديدة لا سيما في سيبيريا. ومن جبال أورال يستخرج الذهب والفضة والبلاتين (الذهب الأبيض) والحديد والقصدير، ومن شطوط البلتيك وغابات الليتوانيا يستخرج الكهرباء الأصفر والرمادي، وبالناحية الأوروباوية من جبال أورال يوجد ألماس وأنواع من الأحجار الثمينة. وأما الصناعات فإن هذه المملكة متنازلة فيها عن الممالك الأوروباوية الغربية بكثير، ومع ذلك فلبعض بلدانها تقدم بين فيها، فمن ذلك صناعة دبغ الجلود الطيبة الرائحة، منها: التلاتين والصابون وأقمشة السفن والأخبية واللبد وجمع الخاويار؛ أي بيض الحوت والغراء المعروف وزيت البالين المسمى حوت يونس عليه السلام، ومستقطرات الحبوب وصناعة الكراريس والصياغة والسلاح والبلور، وصناعة الأقفال وتذويب المعادن وصناعة الكاغد والفرفوري، وأنواع الكشمير والجوخ والأقمشة القطنية وغيرها، وأما التجارة فلها رواج تام في داخل الملكة وخارجها، ومراكزها البلدان التي على شواطئ الأبحر كأوديسة وريغا وأركانجل وكذا في البر، فلها تداول في المتجر مع بلدان أوروبا الغربية ومع الهند والصين، وقد بلغت قيمة المتجر دخلا وخرجا في سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف ألفا وثلاثمائة وثمانية وأربعين مليونا وأحدا وعشرين ألفا ومائة وستة وثلاثين فرنكا، وعدد المراكب المتجرية التي دخلت مراسي المملكة وخرجت منها في تلك السنة خمسة عشر ألفا ومائة وثمانية وستون مركبا، الداخل منها خمسة آلاف وثمانمائة وأربعة والخارج تسعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستون. (4) في نظام السياسة والإدارة