تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن من هذه الممالك ما هو غير معتبر في حد ذاته لكنه بواسطة كونه مركزا حربيا ومأوى للسفن عند الحاجة معتبر جدا؛ حيث إن بوارج الإنكليز يمكنها بواسطة تلك الممالك أن تجول بجيشها في سائر أقطار الأرض بسهولة. فالحاصل أن جملة رعايا إنكلترة في أقسام الكرة الخمسة بلغت في سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف مائتين وعشرين مليونا وثلاثمائة وثمانية آلاف وتسعمائة وأربعا وأربعين نفسا، وذلك أكثر من خمس سكان المعروف من الكرة الآن. (3) في بيان التنظيمات السياسية بإنكلترة

اعلم أن الكونستيتوسيون الإنكليزي كما أشار إليه لورد بروغم ليس بسيطا، بل هو مركب من ملاحظة أمور ناشئة عن تركب الدولة الإنكليزية من الأصول الثلاثة التي لا تخلو دولة ملكية عن واحد منها، وذلك أن الدولة إما أن تكون أوتوكراتيك؛ أي استبدادية، أو أريستوكراتيك؛ أي زمامها بيد الأعيان، أو ديموكراتيك؛ أي أمرها بيد العامة، ولا شك أن كل واحدة من هاته الصور في حد ذاتها لا تكفي لحفظ حقوق الأمة ولا لحسن الإدارة؛ فلذلك تأسس الكونستيتوسيون الإنكليزي على الأصلين المتقررين بين الدول الأوروباوية، وهما أن ينوب عن القوة السلطانية مجالس مستقلة في تصرفها، وأن لا تمضي أحكامها إلا بموافقة الملك لها، وأما ما يعرض للكونستيتوسيون المذكور من مزيد القوة والضعف فإنما ذلك من اختلاف عاداتهم وتبدل أوقاتهم؛ إذ لم يكن الكونستيتوسيون عندهم أمرا سياسيا متفقا عليه، ولم يكن صادرا في أصله عن إملاء وروية وإعمال للقواعد العلمية كما فعله الفرنساويون، بل هو نتيجة ملاحظة أحوال وعادات كما أشرنا إليه. وقال دوك ديان الذي كان إمبشدور فرنسا بلندرة: إن الكونستيتوسيون الإنكليزي مستجمع من القوانين القديمة والجديدة ولا يخلو من نوع ارتباك؛ إذ قد يوجد فيه حكمان متناقضان في نازلة واحدة، بأن يصدر حكم جديد فيها قبل إبطال الأول وتركه بمقتضى حب الأمة للتمدن مع احترامهم لعاداتهم القديمة. ثم إن مبدأ تاريخ الكونستيتوسيون الإنكليزي من وقت انعقاد الشرط الكبير الذي عرضه جماعة البارونات على الملك جان سانتير وألزموه بتصحيحه وإمضائه، وذلك في التاسع عشر من يونيو سنة خمس عشرة ومائتين وألف، ومنه قوله في الفصل الثاني: «سوغنا لسائر رعيانا في مملكتنا الإنكليزية علينا وعلى ورثتنا إلى الأبد جميع الحرية الآتي شرحها؛ ليملكوها هم وأعقابهم منا ومن أعقابنا.»

وفي الفصل الرابع عشر منه يقول: «ولتركيب المجلس العمومي بمملكتنا للمفاوضة في توظيف الأداء على الناس نجمع جماعة الأرشفاك والأفاك - أي رؤساء الأساقفة والأساقفة، وهم من أهل الخطط الدينية - والآبي - وهم رؤساء الأديرة التي بها الرهبان - والكونت والبارونات الكبار باستدعاء منا بمكاتبة كل شخص بانفراده وبواسطة رؤساء متوظفي الدولة نجمع المتوظفين الذين لنا عليهم الأمر.» وفي الفصل الخامس عشر منه يقول: «ونفعل مثل ذلك فيما إذا أردنا وضع الإعانة على مدينة لندرة مع بقاء الحرية القديمة للمدينة المذكورة وحرية عاداتها.» وفي الفصل الثاني والعشرين منه يقول: «مجلس الأحكام العمومية الكبير لا يلزم في المستقبل انتقاله إلى حيث ننتقل، بل يستقر بالمحل المعين له.» وفي الفصل الخامس والعشرين منه يقول: «المكتري لأرض أحد الأعيان الذين كانوا يملكون الأراضي بما عليها لا يغرم مالا لمجرد هفوة صغيرة ولا كبيرة إلا بحسب الجناية، وإذا لم يكن للجاني ما يزيد على مقدار المعيشة الضرورية فلا يسوغ إغرامه، وإذا تعلقت الجناية بالباعة السوقية فلا يسوغ أن تمس رءوس أموالهم ولا أن تعطل حركاتهم.» وفي الفصل السادس والعشرين يقول: «إن أرباب الفلاحة سواء كانوا تحت سلطتنا أو تحت سلطة أرباب الأملاك لا تضرب عليهم الغرامة عند صدور الذنب إلا بقدر طاقتهم، ولا يعطون عن خدمة آراضهم ولا تلزم الغرامة إلا بشهادة اثنتي عشرة نفسا من الجيران الذين ترضى شهادتهم ويمينهم.» وفي الفصل الثامن والثلاثين منه يقول: «ليس لأحد من جماعة الآبي والكونت ولا غيرهم من ضباطنا أن يأخذ على وجه الغصب خيلا أو كراريط لحمل أثقالنا إلا بدفع القيمة المعتادة.» وفي الفصل الثالث والأربعين منه يقول: «ويكون القيس والكيل والوزن في سائر بلدان المملكة بمعيار واحد، وهو الموجود بمدينة لندرة.» وفي الفصل الثامن والأربعين يقول: «لا يمسك أحد من الناس ولا يسجن أو يؤخذ منه شيء مما يملكه، ولا يعطل شيء من عاداته وحريته، ولا يخرج عن ذمة القوانين ولا ينفى من أرضه ولا يمس بما ينافي الحرية بأي وجه كان، ونحن لا نكون عليه ولا نأمر بسجنه إلا أن يصدر بذلك حكم بمقتضى قانون البلاد المتقرر لدى المجالس.» وفي الفصل التاسع والأربعين منه يقول: «لا نمنع أحدا حقا له ولا نبيع عليه شيئا ولا نعطل دونه حكما.» وفي الفصل الثاني والخمسين يقول: «كل أحد من مملكتنا يرخص له في السفر والخروج من المملكة متى شاء وفي الرجوع إليها ترخيصا مطلقا بدون أن يخشى منعا في ذلك من أحد، كان السفر في البر أو في البحر، وعليه أن لا يحيد عما يجب عليه من طاعتنا.»

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٦٩