الباب الثالث
| في الكلام على مملكة إنكلترة
(1) في تاريخها
اعلم أنه لم يعلم شيء من الحوادث يستفاد منه تحقيق تاريخ إنكلترة قبل ظهور جول سيزار؛ أي يوليوس قيصر الذي نزل بجيشه مرتين في تلك الجزيرة حتى فتحها قبل ظهور المسيح عليه السلام بخمس وخمسين سنة، وبعد ثلاث وأربعين سنة من الميلاد المسيحي عاد الإمبراطور كلود إلى ما كان عليه سلفه قيصر من العناية بفتح الممالك، وتبعه في ذلك ورثته، فاجتاز جيش الرومان للجزيرة في سنة ثمان وسبعين. ثم في سنة خمس وثمانين مر ساباغريكلا إلى أن بلغ جبال غرامبيان التي تشق إسكوسيا، ولم تدخل تلك الجزيرة بتمامها تحت طاعتهم. وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة خرج الإمبراطور هونوريوس من البريتانيا وترك أهلها غير قادرين على مدافعة أمة البيكت، فاستغاثوا بأمة الساكسون الساكنة بشمال ألمانيا في ذلك الوقت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فلبت دعوتهم سنة تسع وأربعين وأربعمائة فتأسس بتعاضد الأمتين أربع ممالك بإنكلترة وهي أسكس وسسكس ووسكس وكنت، وذلك من سنة خمس وخمسين وأربعمائة إلى سنة سبع وعشرين وخمسمائة. ثم جاءت بعدهم أمة الأنغل وأسسوا من سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثلاث ممالك أخرى وهي استنغليا ومرسيا وديري مع برنيسيا، وهاته الممالك صارت متحدة تحت سلطة أغبرت صاحب أسكس سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
ثم في سنة خمس وثلاثين وثمانمائة تصدت أمة الدنيمرك إلى محاربة إنكلترة حتى خربوها. ثم من سنة إحدى وسبعين وثمانمائة إلى تسعمائة انتصر على المذكورين ألفرد الكبير ملك إنكلترة وألزمهم الصلح. ثم في سنة إحدى وثمانين وتسعمائة تغلب الدنيمرك على إنكلترة ثانيا وأجلسوا ملكهم سوينون على تختها سنة ثلاث عشرة وألف، ولم ترجع العائلة الأصلية إلى التخت المذكور إلا في سنة إحدى وأربعين وألف.
ثم في سنة ست وستين وألف استولى على المملكة المذكورة وليم الأول دوك نورماندي وأسس الجنس الجديد الذي جاء عقبه في سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وهم جماعة البلنتجنات التي كانت مسماة في فرنسا باسم كونت دانجو، وهم من ذرية وليم المذكور من جهة النسوة، وأولهم هنري الثاني، وهؤلاء تسلطوا إلى سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومن أعظم الحوادث في تلك المدة اجتماع خمس إيالات كبيرة فرنساوية مع الإنكليز بجلوس هنري الثاني ومحاربته لتوماس بكت من سنة اثنتين وستين ومائة وألف إلى سنة سبعين، وفتح أرلاندة سنة إحدى وسبعين، وحروب رشاردكور دليون لفرنسا من سنة خمس وتسعين إلى سنة تسع وتسعين ومائة وألف، وظهور نظام الشرط الكبير المسمى مانيا كارتا أساس كونستيتوسيون الإنكليز سنة خمس عشرة ومائتين وألف، وقيام سيمون دو مونفور كونت ليستر على هنري الثالث سنة ثمان وخمسين، وفتح مملكة سكوتلاند وهي إسكوسيا من سنة ست وثمانين إلى سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف، ومحاربات فرنسا المتجاوزة مائة سنة من سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ثم الحروب الأهلية الواقعة بين عائلتي يورك ولانكستر المسماة حروب الوردتين المجلية عن سقوط العائلة الملكية من سنة خمسين وأربعمائة إلى سنة خمس وثمانين.
وفي ذلك الوقت ارتقت على تخت السلطنة عائلة تودور التي تولدت من ثاني فروع بيت الملك، وفي أيامها بلغت السلطنة إلى أوجها وهي التي أبدلت المذهب الكاثوليكي بالمذهب البروتستانتي، وممن أعان على ذلك التبديل هنري الثامن وإدوارد السادس والملكة ألزبث وذلك من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وألف إلى سنة ثلاث وستمائة وألف. ثم في السنة المذكورة خلف الملكة ألزبث جاك الأول الذي ابتدئت به عائلة الستوارد بإنكلترة، وهو أول من جمع الممالك الثلاث؛ إنكلترة وسكوسيا وأرلاندة في مملكة واحدة وسماها بريتانيا الكبرى، وأراد ابنه شارل الأول بعد ولايته بمدة تغيير القوانين والاستبداد بالتصرف فنشأ من ذلك حروب بينه وبين مجلس البارلمان وانتصر عليه المجلس بإعانة العامة وألقاه في السجن، ثم حكم عليه بالقتل كخائن للمملكة في سنة تسع وأربعين.