60494058
وفي سنة 1851
108251898
وفي سنة 1859
202554092
وفي سنة 1860 ودخل في هاته السنة مداخيل طارئة
151408942
وفي سنة 1864
218158905
وفي سنة 1866
فمن تأمل تدرج التفاوت بين هاته الأرقام يظهر له أن لخصوص مدينة باريس من الدخل السنوي ما ليس لكثير من الممالك، ولا يتوهم أن ذلك نتيجة تثقيل الأداء لما أن قاعدتهم في توزيعه على وجه لا يضر بالأصول المأخوذ منها تمنع ذلك كما تقدم، وإنما ذلك من تزايد العمران وثروة السكان والقليل من الكثير كثير.
ثم إن ما تقدم من الأرقام في بيان ما للأمة الفرنساوية من الثروة وما لدولتها من الدخل وكذا ما سيأتي من البيان لما ذكر في بقية ممالك أوروبا ربما يستكثره الناظر الذي لا خبرة له بما كان لمن تقدم من الأمم من الثروة، ولو تأمل ما حكاه المقريزي في كتابه «الخطط» عن مجابي مصر زمن الفراعنة وزمن الخلفاء الراشدين، وما حكاه أيضا في الكتاب المذكور، وحكى ابن بطوطة مثله عن سلطان الهند، وما حكاه ابن خلدون عن مجابي دولة بني العباس ببغداد ودولة الأمويين بالأندلس، وما حكاه غيرهم من جهابذة المؤرخين - مما أشرنا إلى بعضه في مقدمة هذا الكتاب - لظهر له صحة ما نسبناه إلى الأمم الأوروباوية. على أنه تيسر للأوروباويين من أسباب الثروة والغنى ما لم يتيسر لغيرهم ممن تقدم، كسهولة المواصلة بين الممالك برا وبحرا بواسطة الفابورات والطرق الحديدية وغيرها، وجودة الصنائع لجودة آلاتها، والجمعيات المتجرية والبانكات وغير ذلك من وجوه التمدن الذي تقدم شرحه.
ومحصل جوابنا للمنكر هو ما أجاب بمثله ابن خلدون لما بين مداخيل الدول الإسلامية، وخشي استكثار الناس لذلك فقال: «ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عن ملتقط الممكنات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادروا بالإنكار، وليس ذلك من الصواب، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها، ونحن إذا اعتبرنا ما ينقل إلينا عن دولة بني العباس وبني أمية والعبيديين، وقابلنا الصحيح من ذلك والذي لا نشك فيه بالذي نشاهده من هذه الدول التي هي أقل بالنسبة إليها، وجدنا بينهما بونا وهو لما بينها من التفاوت في أصل قوتها وعمران ممالكها، فالآثار كلها جارية على نسبة الأصل في القوة كما قدمناه، ولا يسعنا إنكار ذلك عنها؛ إذ كثير من هذه الأحوال في غاية الشهرة والوضوح، بل فيها ما يلحق بالمستفيض والمتواتر، وفيها المعاين والمشاهد من آثار البناء وغيره، فخذ من الأحوال المنقولة مراتب الدول في قوتها أو ضعفها أو ضخامتها أو صغرها واعتبر ذك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستظرفة، وذلك أنه ورد للمغرب في عهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة، كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق، وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دلهي حاضرة ملك الهند وهو السلطان محمد شاه، واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروزجوه، وكان له منه مكان واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله، ثم انقلب إلى المغرب واتصل بالسلطان أبي عنان.
وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون، فتناجى الناس بتكذيبه ولقيت وزير السلطان أبي عنان أبا منذر فارس ابن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن، وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس تكذيبه، فقال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن، وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربى فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها فقال له أبوه: هذا لحم الغنم. فقال: ما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها، فيقول: يا أبت تراها مثل الفأر؟ فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر؟ وكذا في لحم الإبل والبقر؛ إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر، وهذا كثيرا ما يعتري الناس في الأخبار، كما تعتريهم الوساوس في الزيادة عند قصد الإغراب كما قدمناه أول الكتاب، فليرجع الإنسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بطريق عقله ومستقيم فكرته، فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه، وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق، فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدا بين الواقعات، وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء، فإنا إذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع على ما خرج عن نطاقه.» انتهى المراد منه بلفظه.