تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمة الفرنساوية أقل الأمم اختلاطا بمعنى أنهم أقرب الناس إلى اتحاد الجنس، ومع ذلك فإن أهل الجنوب منهم لا يشبهون أهل الشمال، لا سيما خارج المدن الكبيرة، ولم تزل سيماء الألمان ظاهرة في وجوه الألزاس وفي بعض جهات لوران، وصور الغال بادية في البريطانية السفلى، وصور الباسك في سكان جبال بيريني. والأمة في الأصل متكونة من أخلاط الغال، وهم فرع من السالت والكيمريس أو البالج والأيبار أو الباسك، ثم من الفينيقيين، ثم من الإغريق والرومان، ثم من الفرنكس المتقدم ذكرهم، ومن الألان والغوت والبورغوند والسواف. واللسان الفرنساوي مشهور بحسن التنظيم والإيضاح حتى كاد يستعمل في سائر جهات أوروبا. وأما الديانات بجميع أنواعها فغض عنها الطرف بفرنسا، فلا يمنع أحد من التدين بما شاء، إلا أن غالب الفرنسيس متمذهبون بالمذهب الكاثوليكي. (4) في نظام الإدارة السياسية

اعلم أن نظام الإدارة السياسية بفرنسا ناشئ عن موافقة جمهور الأمة في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من دجمبر سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وألف، ومؤسس على قواعد المعاهدة المسماة عندهم بالكونستيتوسيون المعطاة لهم في الرابع عشر من يناير سنة اثنتين وخمسين، وعلى عدة شروط صدرت بعد ذلك التاريخ. وهذا الكونستيتوسيون منشؤه أن رئيس الربوبليك - أي الدولة الجمهورية - استشار العامة، وبمساعفتهم أسسه على الأصول الآتية التي أولها: أن يبقى الرئيس مدة عشر سنين ثم يطالب في تصرفاته. الثاني: الوزراء يطالبون لرئيس الدولة فقط. الثالث: مجلس الدولة المركب من الأعيان المنتخبين مكلف بإحضار القوانين والمدافعة عنها أمام أهل القمرة. الرابع: أهل القمرة؛ أي مجلس نواب العامة، يتحاورون في القانون المراد تحريره ويقترعون عليه، وأعضاء هذا المجلس يختارهم العامة. الخامس: مجلس السناتو يتركب من الأعيان الذين لهم مزيد شهرة في المملكة، وعليهم حراسة أصول القوانين والحرية العامة. فبرز الكونستيتوسيون مؤسسا على هذه الأصول في الرابع عشر من يناير سنة اثنتين وخمسين المتقدم ذكرها، وتعينت السلطة الحكمية بأن يتصرف رئيس الربوبليك بواسطة الوزراء ومجلس الدولة ومجلس السناتو وأهل القمرة، والسلطة التأسيسية بأن تكون باتفاق الرئيس مع أهل القمرتين؛ أعني السناتو ومجلس النواب.

وما أشير إليه في مقدمة هذا الكتاب من أن وضع أصول القوانين لا يكون إلا بموافقة غالب الرشداء من أهل المملكة ... إلخ، فهو في مثل الأصول المذكورة، تأمل! ثم بمقتضى المرسوم الذي صدر من مجلس السناتو في نومبر من تلك السنة استتبت المنزلة السلطانية، وصار لويز بونابارت رئيس الدولة الجمهورية إمبراطور الفرنسيس؛ أي سلطان الفرنسيس، وتسمى بنابوليون الثالث، وهذه طالعة أوامره الرسمية: السلام من نابوليون إمبراطور الفرنسيس بنعمة الله وإرادة الأمة. وسوغ له أن يجعل وراثة الملك في ذريته الشرعيين من الذكر إلى الذكر، وإذا لم يكن له عقب فإن له أن يتبنى أحد الذكور من سلالة إخوة نابوليون الأول، وهذا التبني يقرر في مرسوم من السناتو، والتغيير المذكور المتعلق بالكونستيتوسيون عرض على العامة وقبلوه، ومن ذلك الوقت صدر ترتيبه على ما يأتي ذكره، وهو أن الإمبراطور هو رئيس المملكة وبيده العقد والحل في القوة البحرية والبرية، يشهر الحرب ويعقد شروط الصلح والمعاهدة والتجارة، ويسمي سائر المتوظفين ويعمل التراتيب اللازمة لإمضاء القوانين، وتصدر الأحكام باسمه ويعرض على القمرة ما يروم إحداثه من القوانين، وله أن يعفو عن الجناة ولو في الحق الخاص، ويقبل سائر القوانين التي يوافق عليها مجلس السناتو ويمضيها، وله أن يوقف الحرية حال المحاصرة عن وطن أو قسم من المملكة إن اقتضى الحال ذلك لوقوع هرج ونحوه بشرط أن يعرف بذلك السناتو في أسرع وقت ممكن. هذا وإن الشروط المتجرية التي يحررها الإمبراطور مع الدول الأجانب تكون قانونا للعامة فيما يتعلق بتبديل الأسعار، وجميع الخدم والمشروعات المتعلقة بالمصالح العمومية تصدر بأمر أو بترخيص منه، وكل وزير يطالب بخدمته للدولة ولا يطالب مجموعهم؛ أعني مجلس الوزراء، حيث كان مرجع المطالبة في السياسة العمومية إلى ذات الإمبراطور، ومجلس الدولة المسمى كونسيل ديتا مكلف بإعطاء الرأي في التصرفات بدون أن يعطلها عن مرادها، وأعضاء هذا المجلس يسميهم الإمبراطور الذي هو رئيسهم الطبيعي، وله تبديلهم متى شاء.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٥٠