وأما المفاوضة في شأن التنظيمات العسكرية فإنها تكون بدار الشورى الكائنة بمحل السر عسكر، وكل ما يستقر عليه الرأي من القوانين يعرض علينا لنوشحه بالخط الميمون ويكون دستور العمل إلى ما شاء الله، وحيث كان وضع القوانين الشرعية المشار إليها إنما هو لإحياء الدين والدولة والملك والملة، أكدنا ذلك بالعهد والميثاق من طرفنا الملكي، على أن لا يصدر منا شيء يخالفها، وأقسمنا على ذلك في بيت الخرقة الشريفة بمحضر جميع العلماء والوكلاء، وسيحلف كل منهم على ذلك، فإذا صدر بعد ذلك من أحد الوزراء أو العلماء ما يخالف تلك القوانين الشرعية فإنه يجازى بالتأديب المناسب لجريمته الثابتة بدون التفات لرتبته ولا مراعاة لذاته، وحيث إن مأموري الدولة لهم مرتبات كافية، ومن ليس له ذلك الآن سيرتب له ما يكفيه، وجب أن نشدد في قطع مواد الرشوة المستبشعة طبعا وشرعا بوضع قانون يخص عقوبتها، ولاستبقاء التنظيمات المشار إليها والأصول المبنية هي عليها المغيرة للعوائد الجورية القديمة وجب أن ننشر هذه الأوراق السلطانية إلى سفراء الدول المتحابة المقيمين بالأستانة العلية؛ ليكونوا شاهدين على إمضائها، كما ننشرها إلى أهالي الأستانة وسائر ممالكنا المحمية، فمن سعى في حل عرى هاته القوانين الموضوعة على أساس شرعي متين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا ينال فلاحا إلى يوم الدين. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لإجراء هذا الخير العميم، آمين.
ثم أصدر المنشور الثاني المؤرخ بجمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف هجرية مخاطبا به الصدر الأعظم في بيان حقوق غير المسلمين من رعايا الدولة العلية، ملخصه: إن أصناف الرعية كلهم وديعة الله في يد الملك، فالواجب أن يكونوا كلهم حاصلين على الحالة الحسنة من العدل والإحسان، وإذا اتحدت وتآلفت قلوب بني الوطن قويت شوكة الدولة وعزة المملكة. ومن أسباب تأليف قلوب السكان من سائر أتباع الدولة أمن غير المسلم منهم على نفسه وماله كما أمن المسلمون؛ فلذلك نجعل لهم مجالس تحت نظر الباب العالي للنظر في أمورهم الدينية. ثم بين كيفية تصرف رؤساء ديانتهم في ذلك، ثم ذكر أن القانون مانع لسائر الناس من ارتكاب ما يزري بشرف الإنسان من أوصاف الشين والعار، وأن كل امرئ له الحرية التامة في دينه ومذهبه، فلا يمنع أحد من رعايا السلطنة عن عبادته، ولا يجبر على تبديل دينه أو مذهبه. ثم ذكر أن الدعاوي التي تحدث بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل تفصل في مجالس يكون أعضاؤها من المسلمين وغيرهم، وإذا تنازع اثنان من غير المسلمين في مثل الميراث وتراضيا على التحاكم لدى رؤساء ديانتهما أو مجلس ينعقد لخصوص النازلة، فلهما ذلك. ثم قال: ولتضبط قوانين الجزاء والتجارة ويصلح حال السجون ويعامل المساجين بمقتضى تنظيماتها، بحيث لا يرام أحد بما يؤلم بدنه أو نحو ذلك. ثم قال: ويستوي سائر الرعايا في ضرائب الأداء والمطالبة بالخدمة العسكرية، وقد يعافى غير المسلم من مباشرة الخدمة المذكورة إذا أقام عوضا عنه أو أعطى دراهم نقدا معروفة المقدار.
ثم أشار إلى تنظيم الإدارة وأحوال البلاد ... إلى أن قال: ولمراعاة النفع العام سيتعين من لدن دولتنا مبلغ من المال لتمهيد الطرقات. ثم تكلم على كيفية استخلاص المجابي، وبين أن المجلس الذي ينظر في مصالح السلطنة تتولى اختيار أعضائه الذات الشاهانية، ومدة بقائهم في العضوية عام واحد، ويستوثق منهم باليمين عند دخولهم، وعليهم أن يذكروا ما يظهر لهم من غير تخوف من شيء غير ربهم ... إلى أن قال: فلتفتح الطرق والجداول لنقل محاصيل المملكة، وليمنع كل ما يحول دون الزراعة والتجارة، وليكن تمام الاعتناء بتعليم المعارف والفنون، وبالتفتيش كلما أمكنت فرصة عن أسباب وضع الشيء بمحله في جميع الأمور. ثم ختمه بقوله: إليك يا صدر دولتنا الأعظم عنوان أمرنا الجليل الملكي، وأنت المشار عليه بتكميل ما نبا عنه البيان بالشرح الشافي، وإشاعته بدار خلافتنا وجميع بلدان سلطنتنا الجليلة ليعلمه الناس قاطبة من الآن، فعليك ببذل الجهد واستفراغ الهمة لإنفاذه والقيام بحقوقه، وعلى علامتنا الشريفة اعتمادك. هذا ما أمكن تلخيصه من ترجمة المنشورين المذكورين، ولا يعزب عمن كابد تهذيب المعاني المنقولة من لغة إلى لغة عذر محررها في قلق العبارة، وما يقتضيه ضيقها في بعض التراكيب من الإخلال ببعض مقاصد الأصل. (3) في أحوال وزراء الدولة العلية ومجالسها السياسية والعسكرية