صلى الله عليه وسلم .
ومدار القوانين المشار إليها على وجوب حفظ النفس والعرض والمال، وعلى بيان المرجع في تعيين الأداء وجلب العساكر اللازمة. أما وجوب حفظ النفس والعرض فلكونهما أعز الأمور الدنيوية، فإذا خشي الإنسان عليهما اضطر إلى التشبث بمن يرجو به وقايتهما كائنا من كان، وإن لم يكن في أصل فطرته مجبولا على الخيانة. ولا يخفى أن ذلك مما يضر بالدولة والمملكة، بخلاف ما إذا كان آمنا على نفسه وعرضه، فإنه لا يحيد عن طريق الصدق والاستقامة وصرف الهمة إلى حسن الخدمة لدولته وملته. وأما المال فإن من فقد الأمن عليه لا يتأتى له القيام بحقوق دولته؛ إذ لا يخلو دائما من شغل بال واضطراب حال، بخلاف ما إذا كان آمنا على ماله فإنه يشغل نفسه بما يعنيه في دينه ودنياه وينظر في توسيع دائرة معارفه وعيشه، وبذلك يتمكن من قلبه حب الوطن، وتشتد غيرته عليه وعلى دولته ويكون سعيه على حسب ذلك. وأما تعيين الأداء فالمرجع فيه أن كل دولة تحتاج في حفظ ممالكها إلى القوة العسكرية، كما تحتاج في ضبط تصرفاتها إلى مصاريف لازمة، فلا بد لها من مبلغ وافر من المال بحسب احتياجها، وإنما يتحصل ذلك بما يضرب على أتباع تلك الدولة، فلزم أن يوضع للأداء المشار إليه طريقة مستحسنة؛ وذلك أن الاستبداد وإن بقيت معه ممالكنا المحروسة سالمة والحمد لله على ذلك، لكن ظهرت آثاره من الاختلال والخراب، وذلك لأن جعل زمام مصالح المملكة السياسية وأمورها المالية بيد شخص واحد موكولة إلى اختياره، بل لا مانع أن يقال موكولة إلى قهره وجبره، يتسبب عنه ما ذكر، خصوصا إذا لم يكن ذلك الشخص من أهل الخير، فإنه يؤثر منفعته على منفعة الغير وتكون تصرفاته مبنية على الظلم والضير، فوجب لذلك أن نبادر بترتيب معيار مضبوط يعتبر في توزيع الأداء على الأهالي ، مراعى فيه قدر المكاسب واليسار، بحيث لا يؤخذ من أحد ما فوق مقدوره بعد أن يجعل لمصاريف الدولة اللازمة للعساكر وغيرها حد محدود بقوانين لا تتعداها، وأما جلب العساكر فهو من أهم ما يتوقف عليه حفظ الدين والوطن والذب عنهما، فيلزم الأهالي أن يقدموا أشخاصا منهم للخدمة العسكرية، لكن الطريقة الجارية في ذلك إلى الآن مع ما فيها من عدم الانتظام تؤدي إلى اختلال أصول الزراعة والتجارة وإلى قلة التناسل (فيقع النقص في الأموال والأنفس والثمرات).
ومنشأ ذلك عدم اعتبار عدد النفوس الموجودة ببلدان المملكة، فيؤخذ من بعضها أكثر من المقدور ومن بعضها أقل من الميسور، واستمرار الجندي في الخدمة العسكرية مدة حياته، وبذلك يقل النسل ويحصل الضجر المخل بفوائد الخدمة المذكورة، فبناء على ذلك نرى من اللازم إذا مست الحاجة لأخذ العسكر من الممالك أن يوضع لذلك أصول مناسبة جارية على منهج المساواة المطلوبة، ثم يسلك في الاستخدام العسكري طريقة المناوبة، بحيث لا يبقى الشخص في الخدمة المذكورة أكثر من خمسة أعوام مثلا، فبهذه الأصول التي عليها مدار القوانين والتنظيمات يحصل بمعونة الله نمو العمران والقوة والأمن والراحة. فلذلك نقول: يلزم من الآن فصاعدا أن لا يعامل أحد من أرباب الجرائم والجنايات بما يفضي إلى إتلاف نفسه من سم ونحوه بدون مبالاة، بل لا يحكم عليهم إلا بما تقتضيه القوانين الشرعية، وأن لا يسلط أحد على الوقوع في عرض آخر وهتك حرمته، وأن يتصرف كل إنسان في أمواله وأملاكه بغاية الحرية وعدم المعارضة، وإن من جنى جناية لا يحرم ورثته من حق وراثته بالاستيلاء على أمواله للجناية التي هم برآء منها. وهذه المساعدة منا جارية في حق المسلمين وغيرهم من أهل الملل التابعين لسلطتنا بدون استثناء أحد منهم، ولإتمام الأمان وتعميم الاطمئنان يزاد في أعضاء مجلس الأحكام العدلية قدر ما يلزم للنظر في سائر النوازل وفصلها بما يتفق عليه الأكثر، وعلى وكلاء دولتنا العلية أن يحضروا المجلس المذكور في بعض الأيام ويبدي كل واحد ما يستصوبه دون تحاش ولا مداراة.