وأما مسئولية الوزراء فمعناها: أن يكونوا تحت احتساب مجلس الوكلاء مباشرة كما هو موجود في سائر الممالك الكونستيتوسيونية ما عدا الدولة الفرنساوية اليوم، فإن وزراءها مسئولون للملك وهو مسئول للمجلس. ومن آثار المسئولية المذكورة أن أمور الإدارة المتقدم أنها من حقوق صاحب الدولة يتوقف إنجازها على إجازة الوزراء، بحيث لا يبرم أمرا منها حتى يستشيرهم، وأنهم لا يمكنهم البقاء في الخدمة إلا إذا كان غالب أعضاء مجلس الوكلاء موافقا في سياستهم، فعلم أن المجلسين المذكورين لا يتداخلان في تفاصيل الإدارة، وإنما دأبهما وضع القوانين وحفظها بالاحتساب على الدولة. ومن أعمالهما عند الاجتماع النظر وإعطاء الرأي فيما يعرض على كل منهما من النوازل المهمة الداخلية والخارجية، وسؤال الوزراء عما يظهر لهما متى شاءا، والقدح في سيرتهم خصوصا مجلس الوكلاء، وعلى الوزراء الجواب عن جميع ذلك. وتقع المجادلة بالمجلس علنا بين القادح والمدافع ليتضح الحال ويظهر المصيب من المخطئ. فإذا اتفق غالب مجلس الوكلاء على تصويب سياسة الوزراء بعد التأمل في أدلة القادح والمدافع؛ تيسر للوزراء البقاء في الخدمة، وتحصل حينئذ فائدة الدولة والمملكة، أما الدولة فبكون المجلس لا يتوقف بعد ذلك في أن يسوغ لها أخذ ما تقتضيه المصلحة من المال والرجال؛ لأن من وافق على المصلحة وعلى حسن سيرة مباشرها لا يمتنع من إعطاء ما يلزم لإنجازها، وأما فائدة المملكة فبثبوت استقامة سيرة المباشرين لمصالحها، فيهون عليها صرف أموالها ودماء أبنائها حيث كان فيما يعود بالنفع عليها، وبمثل هذا يستقيم حال الدولة والمملكة، ولو كان الملك أسير الشهوات أو ضعيف الرأي كما تقدم. وأما إذا اتفق غالب المجلس على عدم استحسان سياسة الوزراء فيجب على الملك عند ذلك أحد أمرين؛ إما تبديل الوزراء المشار إليهم أو حل مجلس الوكلاء، على أن يعيد الأهالي الانتخاب في مدة معلومة، فإذا انتخبوا من يكون أشهر باللين والمساعدة للدولة دل ذلك على رضاهم بسياستها، فيبقى الوزراء على خططهم، وأما إذا انتخبوا الأولين أو من يكون مثلهم في الشدة فيستدل بذلك على عدم رضاهم بها، ويجب حينئذ خروج الوزراء من الخدمة، وتعويضهم بمن سياسته ترضي المجلس. وللمجلس المذكور أن يدعي الخيانة على أحد الوزراء أو مجموعهم إذا رأى أدلة ذلك، وتكون نازلة تفصل بالمجلس الأعلى. وظاهر أن الوزراء المشار إليهم كما تشدد عليهم القوانين المسئولية عن تصرفاتهم تمنع التعدي عليهم في النفس والعرض والمال، فيتيسر للنجيب الأمين منهم إجراء الأمور على مواقع المصلحة والفوز بما يستعقبه ذلك من جميل الثناء، ولمن اتصف بالأمانة دون النجابة الخروج بالسلامة لا له ولا عليه. وبما تقدم يعلم أن سلطة المجلسين تتحد تارة وتفترق أخرى؛ إذ لكل منهما أعمال تخصه وأعمال يشارك فيها الآخر.
غير أن المعتبر في تأسيس القوانين، سيما المتعلقة بالمجابي والقوة العسكرية وفي الاحتساب على الدولة واستحسان سياسة الوزراء، وضده اللذين ينبني عليهما خروجهم أو بقاؤهم في الخطة؛ هو ما يتفق عليه غالب مجلس الوكلاء حسبما أشير إليه قريبا، كما أن إجراء القوانين المذكورة يتوقف على موافقة المجلس الأعلى على كونها غير مخالفة لأصول الكونستيتوسيون.
قلت: فبتقرير ما ذكر يعلم أيضا أن صاحب الدولة عندهم مضطر إلى موافقة إرادة المجلس التي هي في الحقيقة إرادة أهل المملكة، ولا يخفى ما يتبادر فيه من التشديدات التي تأباها نفوس غير المنصفين من الأمراء والوزراء، لكن من بخت الأمم الأوروباوية ونجاح مساعيها الدنيوية أن عرف ملوكها ووزراؤها ما ينشأ عن ذلك من الفوائد الجمة التي منها كف أيدي المأمورين عن التعدي على الرعية، ومنها سهولة اعتبار المكاسب في توزيع الأداء على الأهالي بحيث لا ينقص من رءوس أموالهم؛ إذ لا يتم مع ذلك نمو العمران، ومنها أن الرعايا إذا وافق وكلاؤها على أصل المصلحة فإنها لا تشح بإعطاء ما يلزم لإنجازها كما تقدم، ومنها أن المفسد لا يجد مساغا للقدح في تصرفات الدولة بقصد التنفير منها وتغيير القلوب عليها، ومنها أن الوالي المستبد ولو كان عادلا لا يمكنه الاطلاع على أحوال مملكته إلا بواسطة الوزراء وغيرهم من المتوظفين، الذين أثبتت التجارب أن أكثرهم لا يعرفون الولاة إلا بما تقتضيه فوائدهم فيتوصلون بالنصائح العمومية إلى أغراضهم الشخصية، خصوصا من يشير منهم على الملوك بالاستبداد لما له في ذلك من المعونة على حصول استبداده هو أيضا في مأموريته. على أنه يمكن لنا أن نقول: إن المأمورين في دولة الاستبداد كل واحد منهم مستبد على قدر حال مأموريته. فلهذه الفوائد ونحوها تجشم الملوك والوزراء ما في التقييد في مبدأ الأمر من المرارة نظرا لما يستعقبه من لذة السطوة والحضارة، وقد صح حدسهم في ذلك بما لم نزل نشاهده من تقدمهم في العلوم والصناعات واستخراج كنوز الأرض بالزراعة والبحث عن المعادن، وحصولهم من أمثال هذه المذكورات الناتجة من اتحاد الراعي والرعية على ما قوى حاميتهم في البر والبحر، حتى هابتهم الأمم واستولوا على ممالك كثيرة خارجة عن قسم أوروبا، ونالوا من نفوذ الكلمة في غير ممالكهم ما هو مشاهد، وصاروا في التصرفات الدنيوية قدوة لغيرهم، وما ذاك إلا بإجراء القوانين السياسية التي مدارها على ما تقتضيه الحرية المشروحة سابقا من حفظ حقوق الإنسان في نفسه وعرضه وماله، والاتحاد في جلب المصالح ودرء المفاسد بمراعاة العادات والأمكنة والأزمنة التي تعتبر شريعتنا اختلاف أحكامها اعتبارا كليا. ولتلك القوانين في الممالك الأوروباوية من الاحترام واستمرار النفوذ برعاية أهل الحل والعقد ما يحمي حقوق الرعية وحريتها، ويؤمن الضعيف من بطش القوي ويدفع عن المظلوم سلطة الظالم، مثل ما كان لأمة الفرس التي طال ملكها ودام حديث عدلها إلى الآن، وشهد لبعض ملوكها بالعدل سيدنا الصادق