وأما المؤلفات فإنها تبقى ملكا لصاحبها مدة حياته ويختص بها ورثته بعد موته سبع سنين، وفي بعض الممالك ثلاثين سنة ثم يرتفع التحجير المشار إليه، ولولا هذا التخصيص ما انبعثت رغبات الناس إلى الاختراع والتأليف؛ لأن المخترع يلزمه ما لا يلزم المقتدي من اقتحام شاق الأعمال والمخاطرة بمصاريف التجريب وإضاعة غالب الأوقات في التدبير، فإذا لم يعط هذا الاختصاص كانت أعماله المذكورة بلا عوض حيث شركه غيره في فائدتها.
ومن وجوه الترغيب عندهم أن من اخترع أمرا مهما تجعل صورته من رخام أو نحاس وتوضع في الأماكن المعدة لاجتماع الناس أو يسمى باسمه ما يتفق حدوثه في تلك المدة من قنطرة أو طريق جديد أو نحو ذلك؛ ليبقى بذلك ذكره. وحاصل سياستهم في هذا الشأن اعتبار ما حقه أن لا ينسى بأي نوع يقتضيه حاله من وجوه الاعتبار، كما اعتبرت ذلك الدولة العلية عند تأسيسها سوقا بدار الخلافة لعرض نتائج المملكة، وقد وقع العرض المذكور في سنة ثمانين ومائتين وألف هجرية. وفي سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وألف وقع بإنكلترة للمعرض المشار إليه ترتيب عجيب، وهو أنهم أسسوا محلا في غاية الاتساع والضخامة وأعدوه لعرض نتائج الممالك من سائر المعمور، ثم وقع مثله في فرنسا سنة خمس وخمسين وثمانمائة وألف، ثم تكرر بإنكلترة، ثم أعيد في فرنسا بمزيد اعتناء سنة سبع وستين وثمانمائة وألف، كل ذلك ليقتدي المتأخر بالمتقدم في الصناعات ونحوها، مع ما يحصل لتجار تلك المملكة من الأموال الغزيرة الناشئة عن معاملة ملايين من النفوس الأجانب الوافدين عليها لذلك، وإدارة هذه المجامع وتعيين المنازل لأرباب الصنائع والبضائع، وتعيين من يستحق الجزاء ونحو ذلك موكولة لنظر مجلس مرءوس بأمير من البيت الملكي إظهارا لمزيد الاعتبار.
وقد آن أن نبين أصول تنظيماتهم السياسية التي هي أساس التمدن والثروة المشار إلى بعض آثارهما آنفا، فنقول: اعلم أن الأمم الأوروباوية لما ثبت عندهم بالتجارب أن إطلاق أيدي الملوك ورجال دولهم بالتصرف في سياسة المملكة دون قيد مجلبة للظلم الناشئ عند خراب الممالك، حسبما تحققوا ذلك بالاطلاع على أسباب التقدم والتأخر في الأمم الماضية، جزموا بلزوم مشاركة أهل الحل والعقد الآتي بيانهم في كليات السياسة مع جعل المسئولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين، وبلزوم تأسيس القوانين المتنوعة عندهم إلى نوعين؛ أحدهما: قوانين الحقوق المرعية بين الدولة والرعية، والثاني: قوانين حقوق الأهالي فيما بينهم. فمرجع الأول إلى معرفة ما لصاحب الدولة وما عليه، ويندرج تحته أمور منها حرية العامة الكافلة بضمانة حقوقهم، ومنها تعيين أصول تصرفات الدولة جمهورية كانت أو وراثية، كتنفيذ القوانين الحكمية وإدارة السياسة الداخلية والخارجية كعمل الحرب وعقد شروط الصلح والتجارة وتعيين الوظائف ونصب المتوظفين من الوزراء وغيرهم، وتأخير من لم تكن وظيفته مؤبدة (وإنما عبرنا بالتأخير لأن عزل المتوظف عن الخطة التي أفنى أطيب عمره في خدمة المملكة لنيلها عزلا يقتضي طرحه من خدمتها بالمرة لا يكون إلا بذنب يثبت لدى مجالس الحكم بمقتضى القوانين)، وكذا صرف المجابي لما عينت له، إلى غير ذلك من إدارة المملكة بما لا يخرج عن مقاصد قوانينها، كل ذلك من حقوق صاحب الدولة بإعانة وزرائه وتأسيس أصول هذا النوع يكون في دولة فرنسا بموافقة غالب رشداء أهل المملكة المتصرفين في حقوقهم الخصوصية والسياسية، وفي غيرها يزاد على الشرط المذكور إما العلم أو ملك عليه مبلغ محدود من الأداء أو الوجاهة المسماة عندهم ب «النوبليس»، وموافقتهم إما بأنفسهم أو بواسطة وكلاء ينتخبونهم لذلك. والنوع الثاني القوانين المحررة لفصل نوازل السكان والتسوية بينهم في المجابي والمنح بحسب المكاسب والاستحقاق، إلى غير ذلك من أحوالهم الداخلية، وتأسيس هذا النوع أو تبديله بما هو أليق بالحال يكون بموافقة المجلسين؛ أعني المجلس الأعلى المركب من أمراء العائلة الملكية وممن ينتخبه الملك من أعيان المملكة مؤبدا وظيفته، ومجلس الوكلاء المركب ممن ينتخبهم الأهالي للمناضلة عن حقوقهم والاحتساب على الدولة، فأهل هذين المجلسين هم أهل الحل والعقد عندهم، فكل ما وافقوا عليه مما لا يخالف تلك الأصول اللازم فيها مشاركة العامة يصير من شرائع المملكة.