تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، ومثل ما كان لأمة الرومان التي استولت على غالب جهات المعمور، حتى كان يقال لها في ذلك الوقت كرسي ممالك الأرض، ومثل ما كان لأمة اليونان التي لما استولى العدو على بعض بلدانهم ولزمهم الخروج منها سألوا حكيما لهم: أين تصلح السكنى؟ فقال لهم: في بلد تكون الشريعة فيه أقوى من السلطان ... إلى غير ذلك من الأمم التي ما بلغت غاية الاستقامة إلا باحترام قوانين أحكامها المؤسسة على العدل السياسي، كما أن عدم احترامها كان منشأ رجوعهم القهقرى، ولا يتوهم أن ذلك بسبب بركة في شرائع الأمم المذكورة؛ إذ الواقع أنها قوانين عقلية مبنية على مراعاة الوازع الدنيوي، فإذا انضم إلى ذلك وجود البركة والحرمة الإلهية كما هو حال شريعتنا المطهرة كانت المخالفة مع ما تستعقبه من النكال الأخروي أجلب للانحطاط الدنيوي، ومن تتبع تواريخ الأمم المشار إليها وتواريخ الأمة الإسلامية رأى ذلك عيانا.

هذا، وإن الضرورة قد تدعو إلى تفويض إدارة المملكة لشخص واحد مستبد، لكن لغاية محدودة وبشروط عندهم معهودة، وذلك أن من أصول السياسة المأثورة عن الأمة الرومانية أن المملكة إذا اشتد الخطر عليها إما بكثرة الإفساد الداخلي أو بظهور مخائل التغلب عليها من الخارج، وصعب حسم مواد ذلك بالأعمال القانونية لمكان تعدد الأنظار المتساوية، وما عسى يقتضي الترجيح بينها من طول المفاوضة المفضي إلى عدم قمع المفسدين ومدافعة المتسلط الأجنبي، أو إلى تأخير ذلك عن وقت الحاجة، فعند ذلك يطلب مجلس السناتو من أحد رئيسي الدولة الجمهورية أن يختار من أعيان رجال المملكة من يسميه باسم «دكتتوراي مطلق التصرف»، تفوض إليه إدارة المملكة بما يظهر له بمقتضى اجتهاده، كعمل الحرب والصلح ونفي أو قتل من يراه من أهل الفساد والخيانة أو عقابه بأخذ المال أو غير ذلك مما يقتضيه الحال. ولا يتوقف نفوذ حكمه على موافقة أحد إلا في أمر المجابي، فإن أعماله فيها موقوفة على موافقة مجلس السناتو وكل من له مأمورية عسكرية أو سياسية فهو ملزم بتنفيذ أوامره، وكذلك سائر الأهالي. ولا يتجاوز التفويض المذكور ستة أشهر ولو كان السبب باقيا إلا بتفويض جديد، كما أنه إذا ارتفع السبب قبل انتهاء المدة فإن التفويض ينتهي وترجع الإدارة إلى قوانينها. وعند خروج المفوض له تتوجه إليه المسئولية اللازمة لكل من يخرج من خطة معتبرة عندهم، فيطلب منه بيان السبب الداعي إلى ما تصرف به من قتل وحرب وصلح وأخذ مال ونحو ذلك بمحضر أهل رومية المجتمعين لذلك، فإن صوبوا تعليله استوجب شكرهم وثناءهم على سيرته في موكب مخصوص، وإن كانت الأخرى يحكم عليه بما يناسب سوء تصرفه، وأكثر ما يكون ذلك بالنفي من التخت أو أداء المال.

ثم إن الأوروباويين صاروا في المدة الأخيرة يطلقون اسم «الدكتتور» على كل وال مطلق التصرف، سواء كان محدودا بمدة أم لا، كالجنرال كرونول بإنكلترة ونابوليون الأول بفرنسا وغيرهما ممن كان استبداده من آثار حيرة تثور بالمملكة يشتهر فيها المشار إليه بمزيد الدراية والحزم، فينصب نفسه منصب الدكتتور وتتعرف به العامة بقصد إخماد الحيرة وتخليص المملكة من مواقع الخطر واستصلاح حالها بتهذيب جفاة الأهالي وتقويم اعوجاجهم، لكنهم لا يحصلون غالبا على هذا المقصود، بل يتوصل المنتصب بذلك إلى اغتنام الفرصة لاستمرار استبداده، إما لاستمرار أسباب الحيرة وضعفه عن إزالتها، وإما لكون المنتصب أزالها بحسن تدبير وقع من الأهالي موقع الإعجاب حتى اكتسب بذلك مزيد احترام عندهم أسس عليه سلطته وإيثار نفوذ إرادته على إجراء قوانين المملكة، مرجحا بذلك حظ نفسه على المصالح العامة. لكن ذلك مع ما يفضي إليه من المضار الاستبدادية لا ينكر أن المصير إليه واجب عند قيام سببه لاستبقاء راحة المملكة كما يشير إليه قول الحكيم مونتسكيو الفرنساوي: «إنا بمقتضى ما نسمعه من أعمال الأمم التي كانت حاصلة على الحرية التامة نرى أن الحال قد يقتضي إرخاء الستر على الحرية إرخاء وقتيا.» قلت: وحيث كان التفويض المشار إليه إنما ساغ للضرورة، وما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها، فلا جرم يجب الرجوع إلى كشف حجب الحرية بعد زوال السبب، هذا وقد قررنا في هذه المقدمة من الأدلة الناهضة الواضحة على ما في التصرفات السياسية المضبوطة بالتنظيمات من المصالح العامة والخاصة التي يشهد العيان بتأثرها الناجحة في الممالك، وما في التصرفات السياسية الغير المضبوطة بها من المضار الفادحة ما تقر به عين النصوح المحب لخير الوطن، وإني لا أزال أقول: إن ترتيب التنظيمات المشار إليها من لوازم وقتنا هذا، كما أقول صدعا بالحق: إن كل متوظف لا يرى الاحتساب عليه في وظيفته فهو عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه، ولو كان معتمدا في ذلك على ما قد يجده في نفسه من حب الإنصاف؛ لأنه تسبب فيما يستعقب الخراب بامتناعه من المراقبة والاحتساب، حيث إن أكثر المتوظفين إنما يباشر خطته على مقتضى شهواته ومصالحه الخصوصية مؤثرا لها على المصالح الوطنية العمومية، فهب أنه كان مجبولا على حب الإنصاف فإن غيره لا يفعل مثله إلا بمراقبة الاحتساب؛ ولأنه لو كان منصفا في الواقع ما ضره الاحتساب حتى يمتنع منه، بل اللائق بحاله مزيد الحث عليه؛ إذ به تظهر براءته ظهورا لا يحصل بدون ذلك. وفيما أودعناه في غضون هاته المقدمة للمستبصرين كفاية، والتوفيق بيد الله المحمود في كل بداءة ونهاية.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٣٣