ومعلوم أن قوة المجموع أشد بكثير من قوى الجميع، والناس إذا تعاضدوا على شيء توصلوا إلى المقصود منه ولو كان من أصعب الأمور، وكفى حجة لذلك الحادثان الهائلان؛ وهما: بنك فرنسا المشهور ومستعمرات الإنكليز بالهند؛ فإن دولة إنكلترة تملكت بجمعية من تجارها تسمى كومبانية الهند مسافة ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف متر مربع، بها من السكان مائة وخمسة وثمانون مليون نفس. وأما بنك فرنسا فإنه كان في سنة ثمانمائة وألف رأس ماله ثلاثون مليون فرنك متجمعة من ثلاثين ألف سهم، وفي سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وألف بلغ ما به من النقود واحدا وتسعين مليون فرنك، وبلغت كواغده المالية الرائجة بين الناس وفي المعاملة رواج المسكوك مقدار اثنين وخمسين وأربعمائة مليون فرنك في أواخر سنة تسع وأربعين وثمانمائة وألف، رخص من الدولة للبنك المذكور أن يزيد في كواغده الرائجة إلى أن تبلغ مقدار خمسة وعشرين وخمسمائة مليون فرنك، وفي سنة سبع وخمسين وثمانمائة وألف طلب البنك من الدولة تجديد المدة إلى تمام أربعين سنة مستقبلة، فأذنت له بشرط تضعيف ما به من النقود حتى يصير تقريبا مائتي مليون فرنك، فضاعف ذلك وتممت له الدولة مطلوبه.
ثم إن من تصرفات البنك عندهم صرف كواغد الحوالات التي تكون مصححة بخط ثلاثة أشخاص يعرف مجموعهم بالملأ الذي يناسب المعاملة بذلك المبلغ الذي تضمنته وقبض ما كلف البنك بقبضه من الحوالات لأربابها بأجر معلوم، إلا إذا كانت في البلد الذي هو به، فإنه يفعل ذلك بلا عوض، وقبول ودائع الناس لمجرد حفظها، ومراسلة من يضع فيه مالا وتتميم المحاسبة معه، وإقراض المال لمن يريده إذا دفع رهنا ثقة غير الربع والعقار من كل ما يصير عينا بسهولة كسهام طرق الحديد والكواغد التي تباع من اقتراض الدول والسبائك ونحوها، وإعطاء كواغد الحوالات على نوابه كما يحيل عليه النواب أيضا، وله خمسة وخمسون نائبا في بلدان متفرقة، وإذا أردت أن تعرف كيفية تدرجه إلى هذه الحالة الراهنة وكيف اتسعت دائرة المعاملات بأوروبا في هذه المدة الأخيرة منذ ثلاثين سنة، فاعلم أن البنك المذكور لم يكن به من الكواغد في سنة ثلاثين وثمانمائة وألف إلا مقدار ثلاثمائة وخمسين مليون فرنك، واليوم به من النقود ما تقدم آنفا، وهو ما يقرب من مائتي مليون فرنك، ومن الكواغد الرائجة مع ما في الصندوق من الحوالات وغيرها مقدار ألف وستمائة مليون فرنك، هذا مع أن البنك كان في الزمن السابق مستقلا بمعاملة الناس، وأما الآن فقد زاحمه كثير من الجمعيات كجمعية معاملة الصناع والتجار والكريدي المعينة لمعاملة أرباب الأراضي والكريدي المعينة لمعاملة أرباب المنقولات والجمعية العامة وصندوق الودائع، ونحوها من الجمعيات. وبالجملة فإذا قال قائل: إن الملايين التي كانت الناس تتعامل بها سابقا صارت اليوم ألوف ملايين، فلا يكون قوله بعيدا عن الصدق.
ومن أسباب تقدمهم العناية بمن اخترع شيئا لم يسبق إليه أو أجاد في عمل مفيد، فمن ذلك أن بتخوت الممالك المشار إليها مواضع معتبرة تعرض فيها نتائج المملكة من نباتات وحيوانات ومصنوعات مستغربة ونحوها بعد كل خمسة أعوام أو أقل أو أكثر بحسب مقتضى حال المملكة، وينعقد لذلك مجمع مركب من العارفين بحقائق الأشياء ليتأملوا فيها، فإن وجدوا شيئا منها مستبدعا أعطي مخترعه قطعة من نحاس أو فضة أو ذهب تسمى «المداليا» على شكل المسكوك مرسوما في أحد وجهيها صورة الملك وفي الآخر مكان العرض وتاريخه، وقد يستحق متقن صناعته نشان الافتخار. فإن قيل: ما فائدة هاته القطع التي أعلاها قطعة ذهب وهي لا تفي ببذل الجهد والمكابدة في الاختراع؟ فالجواب: إن آخذ تلك القطع زيادة على الشهادة له بالكمال والتقدم فيما هو بصدده من الأعمال يتوصل بذلك إلى ما يؤمله من الرغبة في سلعته المثمرة لنمو مكاسبه؛ لأن سائر ما يقع في ذلك المجمع يطبع في صحف الأخبار ليشيع في الناس، وربما أعطي المخترع مبلغا من المال، وقد كان نابوليون الأول أصدر أمرا بإعطاء مليون فرنك لمن يحدث آلة تغزل الكتان وحدها. ومن عناية ملوكهم بهذا المجمع أن الملك يحضره بنفسه مع رجال دولته حضورا رسميا عند فتح المعرض وعند انتهائه، ويعلن للحاضرين بخطبة تتضمن مدح من أتى بشيء مستبدع لتتوفر الدواعي ويتنافس الناس فيما ينمي منافع الوطن. وإذا طلب أحد المخترعين من الدولة ولو خارج المعرض قبل إشهاره مخترعه الرخصة في الاستبداد باصطناعه مدة لا يصطنعه غيره فيها إلا بإذن تعطى له الرخصة في ذلك بشرط أن لا تتجاوز المدة خمسة عشرة سنة، وأن يدفع للدولة شيئا معلوما في مقابلة الاختصاص.