تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا وإن من واجبات الممالك التي تنال الحرية ولو خصوص الشخصية أن يقابلوا تلك النعمة بإظهار آثارها واستجناء ثمارها بتعاطي المعارف وأنواع الصناعات الراجعة إلى الأصول الأربعة؛ الفلاحة والتجارة والأعمال البدنية والفكرية، وبهذه الأصول قوام السعادة الدنيوية المربية للهمة الإنسانية وكمال الحرية المؤسسة على العدل وحسن نظام الجماعة، حتى يكون المحترف مثلا آمنا من اغتصاب شيء من نتائج حرفته أو تعطيله في بعض أحوال خدمته، فما ينفع الناس كون أرضهم خصبة كريمة المنابت، إذا كان الباذر فيها لا يتحقق حصاد ما زرع ومن الذي يقدم حينئذ على ازدراعها، ولضعف أمل الناس في كثير من أراضي آسيا وأفريقية تجد أخصب مزارعها بورا معطلة، ولا شك أن العدوان على الأموال يقطع الآمال، وبقدر انقطاع الآمال تنقطع الأعمال إلى أن يعم الاختلال المفضي إلى الاضمحلال.

ومن أهم ما اجتناه الأورباويون من دوحة الحرية تسهيل المواصلة بالطرق الحديدية، وتعاضد الجمعيات المتجرية، والإقبال على تعلم الحرف والصنائع، فبالطرق تستجلب نتائج البلدان القاصية قبل فوات إبان الانتفاع بها بعد أن كان جلبها متعذرا لطروء الفساد عليها في الطريق أو لزيادة كرائها على أضعاف قيمتها، وبالجمعيات تتسع دوائر رءوس الأموال، فتأتي الأرباح على قدرها وتتداول على المال الأيدي المحسنة لتنميته، وبتعلم الحرف تكتسب الأموال الذريعة عن غير رأس مال. وقد رأينا بالمشاهدة أن البلدان التي ارتقت إلى أعلى درجات العمران هي التي تأسست بها عروق الحرية والكونستيتوسيون المرادف للتنظيمات السياسية، فاجتنى أهلها ثمارها بصرف الهمم إلى مصالح دنياهم المشار إلى بعضها. ومن ثمرات الحرية تمام القدرة على الإدارة المتجرية، فإن الناس إذا فقدوا الأمان على أموالهم يضطرون إلى إخفائها فيتعذر عليهم تحريكها. وبالجملة فالحرية إذا فقدت من المملكة تنعدم منها الراحة والغنى ويستولي على أهلها الفقر والغلاء ويضعف إدراكهم وهمتهم كما يشهد بذلك العقل والتجربة.

وما أشرنا إليه من أن الشركات الجمعية من أسباب نمو النتائج المتجرية معقول مجرب، فإن قوة الاجتماع معهودة في سائر الأمور العادية وغيرها، وكلما تمكن حب الاشتراك من قلوب أهل المملكة يشاهد نمو المكاسب فيها بالعيان، ولذلك كثرت الجمعيات بأوروبا في سائر المعاملات المدنية والمتجرية وغيرها، وتكاثرت الخدمات برا وبحرا، وكثرت مجامع العلوم وجمعيات المحسنين للضعفاء والمساكين، وتكرر التعاون على استخراج المعادن واصطناع الخلج ومجاري المياه التي تصعد بها السفن إلى الجبال ثم تنزل، وطرق الحديد ... إلى غير ذلك من المهمات التي لم تكن تحدث لولا وجود تلك الجمعيات، فمن الذي كان يقدر وحده على اصطناع طريق حديد أو يخاطر بجميع ماله على فرض قدرته في إحداث ما لم يتيسر لهم إلا باشتراك مائتي أو ثلاثمائة ألف نفس بخلاف مخاطرة الواحد منهم بنزر يسير من ماله، فإنها غير مجحفة ولا مستبعدة. ثم إن الجمعية إذا كانت كبيرة وكان فيها فائدة عمومية فإن الدولة قد تضمن لها ربحا معلوما في المائة وإدارة الجمعية تكون بيد أناس ينتخبون من أرباب الحصص لهم مزيد شهرة ومعرفة بإجراء قانون الشركة وحفظ فوائدها، وعند تمام السنة يقدمون حساب ذلك مع سائر متعلقات الإدارة، ويعينون الفوائد لأرباب الحصص المشار إليهم.

ومن أعظم مآثر المشاركة شق خليج السويس وطريق الحديد الجامع بين طرفي البحر المحيط بأميركا، وثقب جبل ألب الكائن بين إيطاليا وفرنسا، وقطع جبل البريني بين فرنسا وإسبانيا لمرور طريق الحديد بهما وإحداث السرداب تحت وادي تامس بلندرة، وعقد الجمعية المسماة ب «مسجري أمبريال» التي لها من السفن الجليلة ما هو مشاهد في سائر البحور، ووضع سلك التلغراف تحت البحر المحيط من إنكلترة إلى أميركا، ونحو ذلك من الإعانات التي وجدها في المشاركة رجال الدول وأرباب الاختراع وحذاق المحترفين.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٢٩