تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقل عن المؤرخ بوليبيوس اليوناني - الذي تكلم على سياسة الأمة الرومانية وما وقع بينها وبين أهل قرطاجنة من الحروب - أنه قال في معرض الاستدلال على أن المباشر للأمر يلزمه أن يكون عارفا بأصوله ما معناه، إذا كان المريض لا يرتجى له حصول العافية على يد طبيب يجهل نوع المرض والدواء المناسب له، فكذلك المملكة لا يرجى خيرها واستقامتها إذا كان وزراؤها المباشرون يجهلون أصول سياستها وقوانين شرائعها وعاداتها. ولا يخفى أن حصول خير المملكة إذا كان يمتنع بسبب الجهل بأصول السياسة، فامتناعه - إذا انضم لذلك عدم وجود تلك الأصول بالكلية - أحرى وأولى؛ لأن السبب في الحالة الأولى دائر بين الجهل والتجاهل وكلاهما أمر عارض تمكن إزالته بتبديل المباشرين أو إرشاد جاهلهم وإلزام متجاهلهم بالجريان على الأصول المحفوظة، أما إذا لم يوجد من تلك الأصول شيء يرجع إليه وسند مضبوط يقع التعويل عند الاشتباه عليه، فإن هاته الحالة يتسع فيها مجال الأغراض والشهوات من الآمر والمأمور، وربما يئول أمر الدولة إلى الاضمحلال والدثور، ولله عاقبة الأمور.

هذا، ولما تضمن ما أوردناه في هذا المجال الإشارة إلى أن الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأوروباوية رأينا من المتأكد بيان معنى الحرية عرفا لدفع ما عسى أن يقع من الالتباس فيها.

فنقول: إن لفظ الحرية يطلق في عرفهم بإزاء معنيين؛ أحدهما: يسمى الحرية الشخصية، وهو إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه لدى الحكم، بحيث إن الإنسان لا يخشى هضيمة في ذاته ولا في سائر حقوقه ولا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المتقررة لدى المجالس، وبالجملة فالقوانين تقيد الرعاة كما تقيد الرعية. والحرية بهذا المعنى موجودة في جميع الدول الأوروباوية إلا في الدولة البابوية والدولة المسكوبية؛ لأنهما مستبدتان، وهما وإن كانتا ذواتي أحكام مقررة إلا أنها غير كافية لحفظ حقوق الأمة؛ لأن نفوذها موقوف على إرادة الملك. المعنى الثاني الحرية السياسية: وهي تطلب الرعايا التداخل في السياسات الملكية والمباحثة فيما هو الأصلح للمملكة على نحو ما أشير إليه بقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه؛ يعني انحرافا في سياسته للأمة وسيرته معها. ولما كان إعطاء الحرية بهذا المعنى لسائر الأهالي مظنة لتشتيت الآراء وحصول الهرج عدل عنه إلى كون الأهالي ينتخبون طائفة من أهل المعرفة والمروءة تسمى عند الأوروباويين ب «مجلس نواب العامة» وعندنا بأهل الحل والعقد، وإن لم يكونوا منتخبين من الأهالي، وذلك أن تغيير المنكر في شريعتنا من فروض الكفاية، وفرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الطلب به عن الباقين، وإذا تعينت للقيام به جماعة صار فرض عين عليهم بالخصوص. ومجلس النواب المشار إليهم موجود في سائر الممالك الأوروباوية ما عدا المملكتين المتقدم ذكرهما، وله أن يتكلم بمحضر الوزراء وغيرهم من رجال الدولة بما يظهر له في سيرة الدولة من استحسان وضده وغير ذلك من المصالح العمومية كما يأتي:

وبقي وراء ذلك للعامة شيء آخر يسمى «حرية المطبعة»، وهو أن لا يمنع أحد منهم أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب والجرنالات التي تطلع عليها العامة أو يعرض ذلك على الدولة والمجالس، ولو تضمن الاعتراض على سيرتها. وفي هذا المقدار افترقت الممالك الأوروباوية، فمنهم من ناله مع الأول فتمت له الحرية المطلقة، ومنهم من ناله بشروط معتبرة عند الملوك التي لم ترخص لرعاياها ما تيسر لغيرها إعطاؤه من الحقوق؛ وذلك أن أحوال الممالك متفاوتة بتفاوت مقاصد رعاياها، فمنهم من لا ينازع الملوك إلا لقصد الحصول على ما يسوغ لهم معارضة الدولة إن حادت عن سواء السبيل واستجلابها لما فيه صلاح المملكة، وحينئذ تيسر للملوك إعطاء تمام الحرية لتوارد مقصد الراعي والرعية على المصلحة. ومنهم من يظن به أن الباعث له على المناضلة فرط التعصب والحمية، حيث تفترق الرعايا أحزابا كل حزب يروم السياسة التي يراها أصلح للمملكة في نظره، كأن يرى البعض أن تكون الدولة جمهورية والبعض يختار أن يكون الملك في عائلة غير التي يختارها الآخر، فينشأ عن ذلك ظن الدولة أن معارضة الأحزاب لها وإن كانت بحسب الظاهر لإلجائها إلى طرق المصلحة، لكن الغرض منها وراء ذلك. وبذلك الظن الناشئ عما ذكر استباح الملوك الامتناع من إعطاء تمام الحرية الموصل لما أشير إليه.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٢٨