وفي سنة ثلاث وثمانمائة وألف أخذ شارل دلري الرخصة في عمل الآلة المذكورة إلا أن سعيه إذ ذاك لم ينجح لعدم وجود المبالغ اللازمة من المال، فاغتنم التفرغ لهذا العمل المهندس أريكصون الشهير من أهل السويد في الممالك المتحدة بأميركا من سنة ست وثلاثين وثمانمائة وألف إلى سنة أربع وأربعين وثمانمائة وألف إلى أن تم، واستعمل في سنة خمس وأربعين وثمانمائة وألف، وقد شاع العمل به الآن. وفي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وألف ارتفع في الهواء بالبالون مونغولفيي الفرنساوي، والبالون قبة من الحرير مصنوعة بكيفية لا ينفذ بها من مسامها الغاز الذي هو ألطف من الهواء فتملأ القبة بتلك المادة فتصعد في الجو لصيرورتها أخف من الهواء. وفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة وألف اخترع ولتا البيل الذي يستعمل للتذويب وللتلغراف الكهربائي، وفي سنة إحدى وثمانمائة وألف اخترع جكار الحائك آلة النسج التي تنسج بدون واسطة اليد، وهذه الآلة أورثت تبدلا كبيرا في أمر النسج وارتفع بها شأن فبريكات ليون بفرانسة التي تصنع الأقمشة الحريرية وغيرها؛ ولذلك رفع أهلها صورة المخترع المذكور ببطحاء المدينة إظهارا لممنونيتهم له. وفي سنة ست عشرة وثمانمائة وألف ظهر بلندرة حادث إسراج الغاز، كما ظهر بها في السنة المذكورة الستينوغرافي، وهي كيفية تسهل استيعاب الكاتب جميع ما ينطق به اللسان السريع باصطلاح مخصوص، والواضع لها رامزي من أهل سكوتلاند. وفي سنة تسع وعشرين وثمانمائة وألف ظهرت أول كروسة تامة تجري على طريق من الحديد، وهي من مخترعات المهندس ستيونصن الإنكليزي، واخترع ويتصطون الإنكليزي أيضا الكيفية المستعملة في التلغراف المذكور، واخترع نيبس وداغير الفوتغرافي؛ أي ارتسام الصورة بواسطة المرآة وبقاءها، ولهذه الصناعة فوائد جمة في الطبيعيات والفلك.
ولما كان تقدم أهل أوروبا في ميدان التمدن الذي من نتائجه الاختراعات المشار إليها، إنما كان بتمهيد طرق العلوم والفنون وتسهيل أسباب استحصالها، وكان للمملكة الفرنساوية مزيد شهرة بحسن التنظيم في أطوار التعلم والتعليم؛ رأينا أن نبين تراتيبها الناجحة ليقاس عليها بقية الممالك لاقتداء بعضهم ببعض في مثل ذلك، فنقول: اعلم أن طبقات المتعلمين عندهم ثلاث؛ لأن المتعلم إما مبتدئ أو متوسط أو منته، وانقسام الفنون على هذه الطبقات باعتبار سهولة الفن وصعوبته، فالفنون الأولية مثل: علم الأخلاق وأصول الديانة والقراءة والكتابة والمفردات اللغوية وأصول الحساب والوزن والكيل، وأصول التاريخ والجغرافيا ومبادئ سر الطبيعة والاستدلال بالموجودات الأرضية، ومبادئ الفلاحة والصناعات، وقانون حفظ الصحة وأصول المساحة ورسم الأرض والتصوير الخطي والألحان، وكيفية تقوية الأعصاب بالحركات الرياضية، فهذه الفنون الأولية تدرس في المكاتب العمومية المقامة من الدولة أو الإيالة أو البلدة أو القرية، وفي المكاتب المطلقة ومحال المرحمة المقامة من خصوص أشخاص من الناس وجمعيات من المحسنين.
أما فنون الطبقة المتوسطة التي ينتقل إليها بعد تحصيل ما يجب تحصيله من المعارف الأولية فهي: علم اللغات القديمة والحادثة، وعلم البيان والمنطق والفلسفة والعلوم الرياضية والطبيعية والتاريخ، وجميع هذه العلوم تدرس في مكاتب للدولة ومكاتب لأهل البلدان، وأماكن خصوصية ومحال صغيرة لتعليم الرهبان.
وأما الطبقة المنتهية فمنهم من يتعلم بالمكاتب العالية ومنهم من يحضر مجامع مدرسي العلوم والإنشاء الذين يجيزون الطلبة بعد امتحانهم بحضرتهم. والمجامع المشار إليها مشتغلة بدراسة العلم الإلهي وأحكام النوازل وصناعة الإنشاء ونحو ذلك، وتتنوع إلى خمسة أصناف: أحدها يحتوي على ثمانية مجامع وظيفتها تعليم العلم الإلهي، ستة منها على مقتضى العقيدة الكاثوليكية، واثنان على مقتضى العقيدة البروتستانية، ومن شعب هذا العلم عندهم فروض الديانة وعلم الأخلاق ونظام الكنيسة والكتاب الموصوف عندهم بالمقدس واللسان العبراني. والصنف الثاني: يحتوي على تسعة مجامع وظيفتها تدريس علم النوازل المنقسم عندهم إلى القواعد العمومية وأحكام الرومان، والقانون المدني وأحكام الجنايات وأعمال المجالس وقياس العقوبات بأحكام البلدان والقانون المتجري وأحكام الإدارة العمومية وأحكام ما يقع بين الأمم والأحكام الفرنساوية. والصنف الثالث: يحتوي على ثلاثة مجامع وظيفتها دراسة علم الطب المتناول للتشريح وتركيب الحيوان وتاريخ الطبيعة المتعلق بالطب، وقانون الصحة ومعرفة الأمراض الظاهرية والباطنية وكيفية المعالجة ومواد الأدوية وعلاج الجراحات وأحوال الولادة، وهناك مكاتب كبار لتعليم كيفية تركيب الأدوية، ومكاتب أخرى للاستعداد لتعاطي فن الطب. والصنف الرابع: يحتوي على مجامع وظيفتها دراسة علوم مختلفة كعلم الهيئة والفلك وعلم الجبر والمساحة وعلم المكنيك؛ أي التصرف بالآلات كجر الأثقال، وعلم استعمال الآثار الطبيعية كالتصوير بالمرآة، وعلم الكيمياء وعلم طبيعة الأرض والنبات وتركيبه، وعلم طبائع الحيوانات. والصنف الخامس: يحتوي على مجامع وظيفتها تعليم الإنشاء وسائر العلوم الأدبية وعلم الفلسفة وتاريخها وآداب اليونان والشعر اللاتيني والفرنساوي وآداب الأجانب والنحو والتاريخ قديمه وحديثه والجغرافيا. وهناك مكاتب للاستعداد للفنون المذكورة ويقرأ فيها تاريخ فرنسا كالجغرافيا الطبيعية والسياسية وعلم الرسم. ومن عوائدهم أن يختموا كتبهم في المكتب العالي المشتهر بمكتب فرنسا، وهناك مكتب لتعليم الألسنة المشرقية، ومحل مخصوص بتعليم أخذ الأطوال ، ومحل الرصد السلطاني بباريس، والمحل المعد لوضع الحيوانات المصبرة على اختلاف أنواعها وأنواع الأحجار، والمكتب السلطاني المعد للخريطات الجغرافية ومكتب البوزار؛ أي الصناعات المستظرفة ومكاتب أعمال اليد ومكتب التصوير السلطاني ومحل تعليم قواعد الموسيقى ومكتب تعليم مخاطبات التياطرات، وجميع المكاتب المشار إليها تحت رعاية وزير المعارف، وما عداها من المكاتب الخصوصية فإنها وإن كانت خارجة عن دائرة الإدارة العمومية إلا أنها لا تخرج عن دائرة المراقبة، حيث يجب تفقدها فيما يتعلق بتهذيب الأخلاق وحفظ الصحة وموافقة التعليم لمقتضى قوانين البلد.