ومن مشاهير القرن الثامن عشر ولتير، وهو ممن أخذ راية الكتابة باليمين والشمال، واشتهر في سائر فنونها اشتهار الدجال في الأجيال، ولو لم يحمله انحلال العقيدة على عدم احترام الشرائع والديانات لكانت شهرته أتم والنفع بمعارفه أعم، ومنهم جانجاك روصو وهو نظير ولتير في الشهرة وله من حسن التعبير ما لا تستقر معه الأوهام، وهذان الكاتبان المجيدان هما اللذان أنشآ ثورة أهل فرنسا سنة تسع وثمانين وسبعمائة وألف، الموافقة لسنة مائتين وألف هجرية، هيآ أسبابها واستعجلا وقوعها، ومنهم جان باتيست روصو صاحب الأشعار والمعاني الرائقة. ومنهم لوساج مؤلف «جلبلاس»، الكتاب المحتوي على المقامة الفلسفية الذي هو من أحسن ما ألف في بابه.
ومن مشاهير هذا القرن لناوس من أهل السويد اشتهر في الطبيعيات، وفيه ظهر بألمانيا الشاعران غوتي وشلر، فالأول فاق أقرانه في محاسن الآداب، والثاني استحق اسم المجدد لتياطرات الألمان، فإنه ركب ألعابا معتبرة ينشد فيها مستظرفات الأشعار، وله تآليف في التاريخ شاهدة بتقدمه في ميدان الأفكار. كما ظهر فيه بإنكلترة المؤرخون الثلاثة الذين تشرف بهم وطنهم، وهم غيبون وهيوم وروبرتسون. ثم ظهر بها أيضا آدم سميث الذي فاق أقرانه في علم الرياضيات والاقتصاد السياسي، والمعلم الطبيعي بانكس، والجراحيان وليم هنتر وأخوه جن وكاوندش الذي حلل أجزاء الماء، والفلكيون: برادلي وهرشل وبنجمن فرانكلن الذي خلد اسمه ببيان الأمور المتعلقة بالجاذب المغناطيسي.
ومن مشاهير إنكلترة في القرن المذكور أركرايت الذي اخترع آلة غزل القطن، ثم خرج عن صف العامة ثلاثة أشخاص استنبطوا لهذه الآلة ما أكسبها قوة غير محصورة، وهم سميطن وفلطن وجامس وات، وهذا الأخير هو الذي اخترع الكيفية العجيبة في الانتفاع بالآلة البخارية التي اخترعها أولا نيوكمن، كما ظهر بهذا القرن الخدمات العجيبة الهائلة على يد المهندس برادلي، فتضاعفت طرق المواصلة بإنكلترة وفتحت الخلج العديدة في الأماكن التي كانت معطلة؛ وبذلك نمت نتائج الأيدي واتسعت دوائر متجر الإنكليز وثروتهم وارتفع شأن السياسة. فمن النتائج كثرة استخراج معادن الأرض بسهولة المناولة والمواصلة، وكذا جلب القطن والكتان وغيرهما واصطناع الأقمشة منها في أسرع وقت، كل ذلك بمعونة الآلات المذكورة، وقد كبرت بلدانها الصغيرة لاتساع نطاق المتجر فيها حتى صارت من البلدان المعتبرة. وهاك مثالا جزئيا تعلم به التبديلات الخطيرة الواقعة في أحوال المتجر، وهو أن قيمة ما كان يخرج من سائر بلدان إنكلترة من القطن المصنوع لم تكن في أوائل القرن الثامن عشر تتجاوز خمسمائة ألف فرنك في السنة. وفي أواسط هذا القرن بلغت قيمة ما يخرج من ذلك في السنة خمسمائة مليون فرنك. ولنمسك عنان القلم هنا حيث بلغنا إلى القرن التاسع عشر الذي صار فيه المشاهير بالعلوم والصناعات أكثر من أن يحصوا، والساعون فيما يزيد نوع البشر تحسينا أجل من أن يضبطوا. ولم يزل الملوك يرغبون الناس في أسباب التمدن وينشطونهم بالجوائز وعلامات العناية، وبوضع صور مشاهيرهم بمجامع العامة لتوفير دواعي البحث عما يمكن أن ينفع جنسهم ويخلد ذكرهم. (2) تلخيص المكتشفات والمخترعات
في أوائل القرن الرابع عشر استعمل أهل أوروبا في سفنهم البوصلة المنقولة عن العرب كما تقدم، وكشف أهل البرتغال عدة جهات من شطوط أفريقية الغربية وأحاطوا بالجهة الجنوبية من رأس الزعزعة المسمى من ذلك الوقت ب «رأس الرجاء الصالح»، ووجدوا بذلك طريق الهند في البحر وأحدثوا فيها عدة مستعمرات. وفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة وألف اخترع المطبع بألمانيا. وفي سنة ست وستين وأربعمائة وألف وجدت فبريكة الحرير بمدينة ليون من فرنسا. وفي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف كشف كريستوف كولومب أميركا. وفي القرن السابع عشر حدثت فبريكة القطن بإنكلترة وفرنسا وظهرت المرآة التي تكبر الأشياء المتقدم ذكرها، وظهرت البوسطة؛ أي بيت المكاتيب، وتحرر ميزان الهواء بالوجه المتقدم. وفي سنة ثمان وأربعين وستمائة وألف ظهر استعمال الكينا بأوروبا. وفي سنة سبع وستين وستمائة وألف استعملت فبريكة نسج البسط الرفيعة بباريس. وفي سنة أربعين وسبعمائة وألف أنشئت فبريكة الذكير المذاب بإنكلترة. وفي سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وألف اخترع فرنكلن جواذب الصاعقة التي تجذب القوة الكهربائية من السحاب وتدخل بها في الأرض. وفي سنة ستين وسبعمائة وألف تأسس بباريس محل لتعليم الصم البكم والعمي القراءة والكتابة والرياضات، ثم اقتدى بذلك بقية ممالك أوروبا، حتى إنه يوجد اليوم بها من الأماكن المخصوصة بتعليمهم نحو مائة وخمسين. وكيفية ذلك في الأصم الأبكم أن يروه صور الحروف ويصطلحوا معه على تخصيص كل حرف منها بإشارة مخصوصة في الأصابع، ثم يحضروا له الشيء المراد تعريفه إياه ويكتبوا اسمه له على مقتضى تلك الحروف الإشارية؛ فبهذه الواسطة يصير قابلا للتعليم لتيسير الكلام معه بسهولة، وفي الأعمى بجعل حروف له ذات أجرام؛ فبذلك يقبل تعلم القراءة والكتابة، وإذا أريد تعليمه الجغرافيا ترسم له الخريطة أجراما ممسوسة فيسهل تعلمه إياها جدا حتى يصير بحيث متى طلب منه تعيين محل من الأرض أو بلد من البلدان وضع يده عليه بدون مشقة.