وفي القرن السابع عشر بلغت العلوم الرياضية والأدبية في أوروبا إلى الغاية القصوى، وذلك بكثرة العلماء الذين نمت بهم المعارف، حتى صار من كان يعد من مشاهير العلماء في القرون الماضية يعد من عامتهم في هذا القرن، خصوصا أهل فرنسا الذين ترقوا في سائر المعارف وتقدموا من عداهم من أهل أوروبا في الفصاحة نظما ونثرا، وفي صناعة البوزار المتقدم بيانها. فمن مشاهير هذا القرن باسكال المشتهر بفن الحساب والطبيعيات والإنشاء، ألف كتابا سماه بما ترجمته «مكاتيب أهل القرى»، وهو من أشهر ما ألف في الإرسال، وتعرض فيه للقدح في سيرة الجزويت حزب يعرف ب «اليسوعية»، دأبهم جلب الناس بكل وجه ممكن إلى الديانة النصرانية والمدافعة عن السياسة البابوية، ومنهم دكارت المعدود في الطبقة الأولى من مخترعي العلوم الرياضية باستعمال قواعد الجبر في المساحة وإتقان التصرف في علم الفلسفة، وهو من أشهر العلماء الذين هذبوا أخلاق البشر. ثم بوردلو وماسليون اللذان أظهرا فصاحة لم تكن لأحد قبلهما من خطباء ديانتهم، ثم بوسوي الذي بلغ في حسن التأبين وفي خطبته على التاريخ العام السائرة مسير المثل عند أهل أوروبا درجة لم يبلغها أحد بعده. ثم بوالو الذي بين قواعد الشعر عندهم، ثم لابرويار المعدود من السابقين في علم التهذيب، ثم فنلون صاحب التأليف المشهور المسمى «تلماك» الجامع لأسباب التهذيب البشري، ثم كرنيل وراسين اللذان لا يقاسان في التراجيديا إلا بمشاهير اليونان، وهي محاكاة الحروب والوقائع، والكوميديا وهي محاكاة أمور في قالب الهزل، ثم موليير في الكوميديات ولافونتين في الأمثال تقدما من كان قبلهما. وفي القرن المذكور ظهر بألمانيا الحكيم ليبنتس، وكان له شهرة في علم التاريخ والطبيعيات، لا سيما الرياضيات والفلسفة، فقد كان له فيهما اليد الطولى.
وفي هذا القرن تميز علماء الإنكليز عن غيرهم بإتقان علم الهيئة والفلك، فمنهم هالي الذي شرح خواص الهواء وأسرار مد البحر وجزره وأسرار المغناطيس وحركات ذوات الأذناب، وارتكب المشاق والأخطار في تطلب العلم من نوازح الأقطار، حتى بلغ جزيرة صانت آلان في البحر المحيط، ورسم على صخورها خريطة نجوم القسم الجنوبي من الهيئة، وبذلك ارتفع شأن رصد غرينتش في إنكلترة. ثم المنجم فلامستيد الذي بين ملاحظات عديدة في علم الفلك تلقاها الناس بالقبول، ثم نيوطن المشتهر اشتهارا أنسى به ذكر سابقيه، وله تأليف كبير أحدث به في الفلسفة تغييرا غريبا وقع من الناس موقع الإعجاب، وفي ذلك الوقت ظهر من شعراء الإنكليز درايدن وبوب، ومن كتبة الإنشاء إدسون، وفي القرن الثامن عشر حازت فرنسا خمسة أشخاص من مشاهير الكتبة بذلوا الجهد في إيضاح طرق الفلسفة وتشييد مبانيها، وهم فونتنيل الذي انسجمت مكاتيبه فيها، ثم بوفون مشفع أفلاطون، وبلين الذي كسا علم الفلسفة رقة التعبير في كتابه الذي خلد ذكره وأعرب عن رقة طبعه ودماثة أخلاقه. ثم مونتسكيو الذي صرف همته إلى كتب السياسة، وأبانت تصانيفه عن غاية معرفته بها، وكفى شاهدا على ذلك ما كتبه في السبب الذي كبرت به الدولة الرومانية وتعاظمت، والذي سقطت به وانقرضت، وهو كتاب عجيب يحتوي على تعليقات صادقة وعبارات محررة راشقة، وكتابه الآخر المسمى «بحكمة القوانين» الذي بين فيه الحقوق الإنسانية وقسمها إلى ثلاثة أقسام؛ أولها: الحقوق المعتبرة بين الأمم في خلطتها السياسية والمتجرية. وثانيها: حقوق الدول على رعاياها، وبالعكس. وثالثها: حقوق الأهالي فيما بينهم. ثم قسم حالة الدول إلى ثلاثة أقسام أيضا؛ الأول: الدولة الوراثية خلفا عن سلف المطلقة التصرف بلا قيد. الثاني: الدولة الوراثية كذلك المقيدة بالقوانين. الثالث: الدولة الجمهورية المقيدة بالقوانين أيضا. والجمهورية عندهم كناية عن انتخاب الأمة رئيسا لدولتهم يتصرف في إدارتها بمقتضى القوانين مدة حياته أو لمدة معلومة، ثم ينتخب غيره، وبين ما ينشأ من الخير والشر عن الأحوال الثلاثة وهو معدود عند أهل أوروبا قانونا صحيحا في الأحكام. ومن تمثيلاته البديعة تشبيه المستبد في تصرفاته بمن يتوصل لاجتناء الثمرة بقطع الشجرة من أصلها، وله في غير ذلك تآليف عديدة تلقاها الناس بالقبول. ورابعهم دلمبير صاحب التأليف المحلى بقلائد القواعد الحاوي بأوضح بيان ما كاد يأتي على سائر الفوائد. وخامسهم كندلياك الذي بسط أشعة التحقيق على تأليف لوك الإنكليزي في علم الفلسفة.