وفي ذلك الوقت ظهر بمملكة إسبانيا التي كانت اكتسبت من المسلمين أنواعا من الظرف كالفروسية واللعب بالرماح وتعاطي المعاني الغريبة من الأشعار الناظمان المجيدان لوبس دفيغا وكالدرون، اللذان أظهرا من التراكيب الشعرية ما حسن إلقاؤه في المجامع المعدة لتهذيب الأخلاق المسماة عندهم بالتياطرات. كما ظهر في ذلك الوقت عند الإنكليز الناظم الشهير شكسبير، وهو وإن لم يخل كلامه عن الهفوات فله النفيس من جوهره، ويتوصل بفصاحته إلى الكشف عن كنه ما يروم وصفه والإحاطة بكيفيته الحسية والمعنوية، لا سيما في وصف الحروب بحيث إن سامع كلامه يكون كالمشاهد لما يصفه.
وأما أهل شمال أوروبا فلم يشتهروا إلى ذلك الوقت بشيء من أعمال الفكر، غير أن منهم من لا تنكر منته على العرفان، مثل كبرنيك من أهل بولونيا المولود سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وألف، وهو الذي حرر القول بأن الشمس في مركز العالم وأن الأرض والكواكب تدور حولها. قيل: وليس هو أول قائل بذلك، وإنما الأول فيلولاوس أحد تلامذة فيثاغورس، وذلك قبل وجود كبرنيك المذكور بألفي عام، لكن وقع الانفصال على أن كبرنيك هو الذي ينبغي أن ينسب إليه مزية الابتكار لهذا القول وإن انتفع في الاهتداء إليه بقول فيلولاوس المذكور. وممن حرر الدليل على تلك الدعوى بما يقرب من المشاهدة غليلاو الطلياني وأعانه على ذلك ما اخترعه مسيوس من أهل هولاند من آلة البلور التي تكبر الأشياء، فكانت مرآته تكبر الشيء مائة وستين مرة زيادة على مقدار جرمه، ثم تهذبت تلك الآلة حتى صارت تكبره من ألفين إلى ثلاثة آلاف وأكثر، ولم تزل تلك الدعوى تترجح عند أهل أوروبا إلى أن صارت مسلمة لديهم، وبواسطة تلك الآلة اطلع غليلاو المذكور على كواكب لم تكن معهودة، وهو وتلميذه توريشلي أول من عرف وزن الهواء، وأن طلوع الماء في الطلنبة مسبب عن ضغط الهواء لسطح الماء، وأن نهاية صعوده اثنان وثلاثون قدما، حيث إن قوة عمود الهواء النازل على سطح الماء لا تتجاوز المقدار المذكور، فلا ينجذب بها الماء إلى أكثر من ذلك، والحاصل أن أهل إيطاليا اغتنموا في ذلك الوقت شهرة بالآداب والصناعات المستظرفة المسماة عندهم بوزار، وهي صناعة الدهن والنقش وهندسة البناء والموسيقى، وحصلوا على ما أمكنهم تحصيله من العلوم والفلسفة، وأما ألمانيا فقد اشتهر فيها تيخوبراهي وكوبلر؛ فالأول أفنى عمره وماله في طلب العلم واقتناص شوارده حتى سمي بالمحسن إلى العلم، والثاني صرف المهجة إلى علم الفلك حتى قيل له صاحب الأحكام. وأما إنكلترة فإنها صارت بقرب ذلك العهد ذات يد في العلوم الرياضية والحكمة الكلامية، وممن اشتهر فيها فرنسس باكن ذو الفكر الوقاد والجد والاجتهاد، وقد صحت تسمية تآليفه بحالة العلوم الجديدة، واستند في دعاويه فيه إلى التجارب المفرغة في قالب الأسلوب الفلسفي، حتى قيل إن فن الطبيعيات صار بقواعد الكتاب المذكور كما ينبغي أن يكون.
وفي القرن السادس عشر امتاز أهل فرنسا بعلم الأحكام الآتي بيانه، واشتهر منهم بذلك عدد كثير مثل: كوجا ودوملان وميشال دولبيتال الذين عمروا مكاتب الأحكام، والماهر الفصيح فرنل المتسلطن في علم الطب، وأمبرواز بري أعرف أهل وقته بأحوال الجراحات، وفيات الذي اختصر كتب الجبر بوضع حروف نائبة عن الأعداد وصيره لعلم المساحة كالمنطق لسائر العلوم، وبيارلسكو الذي هندس بناء اللوفر، وفلبار دلورم الذي هندس قصر مودون وقصر التويلري، والأول والثالث بباريس يسكن بهما ملوكها، والثاني بقربها. ثم إن فرنسا وإن بلغت في هذا الوقت ما بلغته من التمدن والتهذيب وفاقت أمما كثيرة ممن تقدمها إلا أنها لم تضاه نظائرها، حيث لم يكن لسانها في ذلك الوقت خالصا من الشوائب. ومن مشاهيرها في تلك المدة: أميو ومارو، فالأول في الإنشاء والثاني في النظم، تميزا بسلامة السليقة وقلة التعقيد. ومنهم ربلي متقن صياغة مثالب الهجو، ومونتان الفيلسوف الذي سهل طرق المعاني وأداءها بألفاظ راشقة، وشرح ماهية الإنسان غير محمول بعين الرضا على تحسين معائبه ولا بعين السخط على تقبيح محاسنه. وفي هذا القرن اشتهر بإيطاليا بين أرباب الصناعات رفايل وميكلانج وليوناردو دا وينشي وأشخاص آخرون في صناعة الدهن والنقش والبناء، فبهم وبتلامذتهم تجدد البوزار في سائر نواحي أوروبا.