ثم في القرن الحادي عشر، الذي هو خامس قرون الهجرة النبوية، ظهرت مبادئ علوم وصناعات وهندسة في الأبنية، فأنشئت بها هياكل في الناحية الغربية من أوروبا وأخذ علم الفلسفة في النمو بين محاورات كلامية ومنازعات جدلية، وظهر حزب الفرسان الذين اشتهروا باسم الكوليير، وهم جماعة من وجوه الناس تحالفوا على أن يحاربوا في الله للمدافعة عن حرية النسوة والمستضعفين من سائر الأهالي، وأن لا يلاحظوا في أفعالهم لا سيما المحاربة إلا مقتضيات الشرف الإنساني وعلو الهمة ولو مع أعدى الأعادي؛ مثلا: يرحمون من يسترحمهم ولا يجهزون على جريحهم ولا يبتزون سلب قتيلهم.
ومن أواخر هذا القرن إلى أواسط القرن الثالث عشر كانت حروب الصليبيين مع المسلمين لافتكاك بيت المقدس وقطع استيلائهم على الأمم في زعمهم، وإنما أشرنا لهاته الحروب والفرسان لبيان ما لها من الدخل في التمدن الأوروباوي، فإن مؤرخيهم يقولون إن تلك الحروب وإن هلكت فيها نفوس عديدة وأموال غزيرة بدون الحصول على المقصود بالذات فإنها أعقبت نتائج نافعة لهم، منها أنهم من ذلك الوقت شرعوا في ترتيب العساكر وتعلموا بمواصلتهم لأهل المشرق صناعة التجارة والزراعة ونحو ذلك، وتخلقوا بأخلاق الحضر وتعودوا بالأسفار لاستكشاف أحوال الأقطار، فاطلعوا على أحوال آسيا المتوسطة وأحوال الصين، كما ذلك مبين بتآليف ماركوبولو. وبالجملة فبالسبب المذكور وهو مخالطة الأوروباويين للأمة الإسلامية المتقدمة عليهم في التمدن والحضارة كان ابتداء التمدن عندهم، لا سيما في القرن الثالث عشر، ثم تهذب حتى وصل إلى ما هو مشاهد اليوم، وانتهت إذ ذاك رئاسة العلوم والآداب والفلسفة إلى صان برنار بفرنسا وصان توماس بإيطاليا وألبرت الكبير بألمانيا وريموندولولو بإسبانيا وجن دونسكوت بإنكلترة، وظهرت الشعراء والمهندسون والكنائس الأصولية والهياكل الفخيمة المنسوبة للقرون المتوسطة.
وفي القرن الرابع عشر نالت تلك الأمور شرفها، خصوصا في إيطاليا فإن دانتي حرر اللسان الطلياني وقرره في شبه أراجيز يتخلد ذكرها، وجيوتو وتشيمابوي أحييا صناعة الدهن، وبتراركا وبكاتشو سلكا طريقة دانتي في النظم والنثر. ثم في أواسط القرن الخامس عشر، وهو الوقت الذي لا ينسى لغرابة حوادثه، اخترع غتمبرغ من أهل ميانس بألمانيا طبع الكتب الذي حصل به من تنمية مواد العلوم وسرعة انتشارها في أقطار الأرض ما يغني فيه العيان عن البيان، وأول ما طبع منها كتاب في أشعار اللغة اللاتينية التي عاد إلى استعمالها أهل إيطاليا وتكاثرت بها أشعارهم بعد أن تناسوها، وهي وإن لم تأخذ مأخذها في التوصل بها إلى المعاني الدقيقة واللطائف البديعة فقد رجعت إلى ما كانت عليه من الطلاوة وحسن السبك.
ثم أخذ التمدن في الترقي بمدارج العلوم والأعمال، وكانت المزية في ذلك لجماعة الميدشي الذين كانوا رؤساء الدولة الجمهورية بفلورنسة، ثم صاروا أمراءها، فهم الذين مهدوا سبلها للناس، وكان اشتهارهم بذلك في القرن السادس عشر المعبر عنه بالقرن الكبير الذي كانت أيامه تضاهي بأولئك الرؤساء أيام أغسطوس أول قياصرة الرومان في الأشعار وحسن هندسة البناء وبديع أشكاله، اقتداء بالرومانيين الذين اقتدوا في ذلك باليونان. ومن حوادث القرن الخامس عشر أن جماعة الميدشي المشار إليهم والبابا ليون العاشر الذي هو منهم بحثوا في الخزائن عن الكتب القديمة وطبعوها لاستكثار نسخها، وجعلوا عليها تعليقات نافعة وملاحظات غريبة؛ وبذلك ارتفع عن محاسن الأقدمين القناع الذي تكاثف بتطاول السنين، وفي تلك المدة ظهر الشاعران أريوستو وتاسو اللذان أشهرا اللسان الطلياني المستعمل الآن، وهما في الطبقة الأولى من مشاهير تلك اللغة. فأولهما خلد ذكره باختراع معان لم يسبق إليها في ألفاظ مهذبة مستعذبة. والثاني نال شهرة أميرس الشاعر اليوناني وفرجيل الشاعر اللاتيني. وبالجملة فاللسان الطلياني أخذ في ذلك الوقت مأخذه من السلاسة وحسن السبك، وألفت به تآليف عديدة في فنون شتى. ومن مشاهير القرن المذكور مكيافلي الذي كان أول من بين القواعد السياسية بعد سقوط الدولة الرومانية، وغويتشرديني الذي بلغ بجودة الفكر وحسن التعبير إلى إتقان التصنيف في التاريخ، وفرا باولو الذي اشتهر بالمدافعة عن حرية الوطن بقلم غيور منصف في ضد سياسة البابوات الدائرة رحاها على إيثار الشهوات.