تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا المقدار كفاية لمن تبصر في الفرق بين الحالتين، ولو أطلقنا عنان القلم في بيان حال بعض الدول في مصاريفها وفي سيرة المباشرين لها قبل تأسيس التنظيمات ومعها وبعدها، حين تيسر تعطيلها لأهل الأغراض والشهوات من أرباب الخطط، ورجعوا للتصرف بلا قيد ولا احتساب بإعانة أمثال هذا القادح؛ لتبين له أن قلة معرفته بنتائج التنظيمات هي التي غرته وأغرته على القدح فيها بمثل ما أسلفناه، وعلى إعانة الساعين في تعطيلها لفوائدهم الخصوصية المضرة بالدولة والمملكة، لكن سعة مجال الكلام في ذلك تخرجنا عن المقصود.

هذا وإذا كانت الدولة العثمانية التي هي مركز الخلافة الإسلامية مع ما أشرنا إليه سابقا من العوائق الخاصة بها لم تزل مجتهدة في رفع تلك العوائق اجتهادا يرجى منه تمام نجاحها بتأسيس ما يتم به خير ممالكها وحفظ حقوق رعاياها، فغيرها أحرى وأولى لانتفاء تلك العوائق عنها، فلا يظهر لملوكها سبب قوي في الامتناع إلا حب الاستبداد الموصل للشهوات، ثم نقول: كما كان ترتيب التنظيمات واجبا على من تقدم بمراعاة حال الوقت، فمن اللائق أيضا بمن يدعي من الدول الأوروباوية المتمدنة حب الخير للنوع الإنساني أن يعينوا في هذا الشأن ولو بالكف عن التعطيل، خصوصا من له فائدة في دوام استقلال الأمة الإسلامية.

هذا ما دعت الحاجة إلى تحريره من أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية ملخصا جله من الكتب الإسلامية والإفرنجية، وبه يعلم من لا خبرة له بأحوال الإسلام من الأوروباويين وغيرهم ما كان للأمة من التقدم في المعارف وغيرها وقت نفوذ الشريعة في أحوالها ودخول الولاة تحت قيودها، وأن الشريعة لا تنافي تأسيس التنظيمات السياسية المقوية لأسباب التمدن ونمو العمران كما يعتقده الكثير ممن ذكرنا، حتى صاروا يدرجون ذلك في صحف أخبارهم ومستحدثات تآليفهم، ولا سبب لذلك يمكن اعتذارهم به عن سريان ذلك لاعتقادهم إلا ما يشاهدونه في ممالك الإسلام من اختلال التصرفات والأحكام وما نشأ عنه من سوء حال الرعايا. وهذا ونحوه من مضار تقصير الأمراء في حماية الشريعة واستبدادهم بالتصرف بمقتضى شهواتهم مع إغفال العلماء القيام بما أهلهم الله له بإعراضهم عن مقتضيات أحوال الوقت كما أشير إليه سابقا، ولا يخفى أن البقاء على هذه الحالة مما يعظم خطره وتخشى عواقبه. سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه أن التمدن الأوروباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار إلا إذا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق. وهذا التمثيل المحزن لمحب الوطن مما يصدقه العيان والتجربة، فإن المجاورة لها من التأثير بالطبع ما يشتد بكثرة المخالطة الناشئة عن كثرة نتائج الصناعات، بحيث تلجئ لإخراجها والانتفاع بأثمانها، وهو سبب ثروتهم كما تقدم.

ولنقتصر على هذا المقدار من الإشارة إلى أسباب التقدم والتأخر في الأمة الإسلامية، ونرجع إلى ذكر أطوار التمدن الأوروباوي من أيام الإمبراطور شارلمان إلى هذا التاريخ على وجه إجمالي يقتدر به على الإحاطة بأنواع التمدن المكتسب بالمعارف، ويستفيد منه من يريد معرفة الأشخاص الذين اشتهروا بكشف كنوز الطبيعة وأسرار التهذيب ورسوم معالم السياسة. (1) التمدن الأوروباوي

اعلم أن الإمبراطور شارلمان الذي أسس دعائم السياسة والأحكام كان أشهر ملك ظهر بأوروبا من وقت سقوط الدولة الرومانية إلى سقوط دولة الإغريق التي كان تحت مملكتها القسطنطينية العظمى، وهو الذي أدخل العلوم والأعمال لممالكه، وكان يفني غالب أوقاته في قراءة العلوم وكان مجلسه محفوفا بالعلماء، وأسس بباريس مدرسة جامعة لسائر المعارف، وبمثل هاته المآثر حصل له من السمعة في أقطار الأرض ما استمال الخليفة هارون الرشيد إلى صحبته ومهاداته بتحف، منها منقالة لم تزل إلى الآن في أحد قصور فرنسا. ثم بعد وفاة الإمبراطور المذكور وفقدان تدبيره تعطلت تلك المصالح وتنازلت أوروبا وبقيت مغمورة في دجى الجهل مدة ستمائة سنة، وفي هاته المدة كانت موطئا لأقدام البرابرة الذين كانت دولهم تتداول عليها. ومع ذلك الفشل التام فإن أهل الكنيسة منهم كانوا محافظين على كتب المعارف وعلى اللسانين اللذين لولاهما ما انتفع بتلك الكتب، وهما اليوناني واللاتيني، فالناس ممنونون لهم بذلك.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٩