وحيث كان التطويل المشار إليه طبيعيا للنوازل، ومما تعاضد على لزومه الشرع والعقل؛ يسوغ لنا أن نقول إنه لا منشأ للقدح به في التنظيمات إلا إرادة تنفير الأهالي منها، بتحسين ما تعودوه من حكامهم السياسية الذين كثيرا ما ينشر لديهم من النوازل ما لو نشر لدى أحذق القضاة لاحتاج في تصوره إلى عدة أيام، فيبادرون إلى فصلها في عدة دقائق بحكم لا يتعقب ، بل لو فرض الترخيص منهم في تعقبه لما أمكن ذلك، حيث لم يكن الحكم مسجلا بظهير؛ لأن التعقب يستدعي استناد الحكم المتعقب إلى شيء من الأدلة يمكن اطلاع المتعقب عليه، بحيث يجد محلا للتخطئة في تنزيل الحكم أو نحو ذلك إذا كان الحكم مسجلا. وما يصدر من هؤلاء حكم شفاهي غير معلل باستناده إلى شيء في الخارج، فهو لا يخلو إما أن يكون أمرا اتفاقيا بحسب ما يسنح لأحدهم في ذلك الوقت؛ ولذلك ترى كثيرا من النوازل متفقة في المعنى وأحكامها مختلفة، أو مستندا إلى دليل لا يتجاوز صدر ذلك الحاكم، فلا يمكن الاطلاع عليه، وفي الحالتين لا يمكن التعقب.
ثم إنا لا ننكر أن يقع في ابتداء العمل بالتنظيمات شيء من التطويل زائد على المقدار الطبيعي ناشئ عن عدم التعود بها والتمرن عليها، لكن نرى الخطب في ذلك سهلا؛ لأنه مما يزول بإعانة الله في أقرب وقت عند حصول ملكة التجريب، وتخفيف أعمال الحكام في الأحكام الخفيفة ارتكابا لأخف الضررين، وتحريض الدولة سائر متوظفي السياسة على المبادرة بإتمام مأموريتهم بجلب المدعى عليه، ونحو ذلك مما تتوقف عليه الأحكام، حتى لا يبقى من أسباب التطويل إلا ما يستدعيه حال النازلة. على أنا نقول تنازلا مع هؤلاء المنفرين أن الغرض من التنظيمات ليس محصورا في فصل النوازل الشخصية على وجه الإنصاف المأمول منها، بل هناك مصالح أخرى، من أهمها ضبط كليات السياسة القابض لأيدي الولاة عن الجور، فأين مضرة التطويل في النوازل الجزئية من مضرة إطلاق أيدي أولئك الولاة في التصرف في الأبدان والأعراض والأموال؟! فهذه الشبهة على فرض نهوضها لا تنتج إلا تعطيل مجالس النوازل الشخصية. أما ضبط أصول السياسة الذي هو أساس خير المملكة فلا نظن دليلا ينهض على تعطيله بوجه من الوجوه. وأما القسم الثاني: فظاهر أنه لا يقدح به في حسن التنظيمات في نفسها، وإنما يتوجه التشكي من مضرته على الدول، حيث لم تمعن النظر في أحوال المتوظفين وتمتحنهم بمزيد المراقبة والتجربة.
وبيان ذلك أنا نرى المتوظفين في الممالك الإسلامية على ثلاث فرق؛ الفرقة الأولى: يستحسنون ترتيب التنظيمات استحسانا صادقا، ويؤثرون ما تنتجه من الهمة والحرية، وتوفير مصالح الرعية على ما عسى أن يكتسبوه بالاستبداد من المنح الخصوصية، الفرقة الثانية: يجهلون مصالح التنظيمات، بحيث لا يرون كبير فرق بينها وبين السيرة الاستبدادية، بل يعدونها من بدع آخر الزمان ويؤثرون عليها البقاء على ما كان، ولا منشأ لذلك إلا القصور وعدم الاطلاع على نتائج التنظيمات في غالب المعمور، الفرقة الثالثة: لا يجهلون مصالح التنظيمات وتوفيرها لخير البلاد والدولة، ولكنهم يؤثرون على ذلك فوائدهم الشخصية التي تتوفر لهم بالاستبداد، ولا منشأ لذلك إلا نقص الديانة والهمة الإنسانية وعدم ملاحظة العواقب الدنيوية والأخروية. إذا تمهد هذا فنقول: إن التنظيمات وإن بلغت بحسن الترتيب والتهذيب غاية المطابقة لمقتضى الحال لا تظهر فائدتها المقصودة من تأسيسها إلا إذا كان المكلفون بإجرائها من الفرقة الأولى، فهم الذين توكل مصالح العباد إلى أمانتهم، ويعتمد في تأسيسها وتمشيتها على إعانتهم، وأما الفرقتان الأخيرتان فلا يحصل من تكليفهما إلا خلاف المقصود، لا سيما الفرقة الثالثة لمزيد انبعاث همتها إلى تعطيل التنظيمات. فعلى الدولة التي عزمت على تأسيسها إذا علمت ما ذكر من أحوال الفرقتين المذكورتين أن لا تنيط بأمانتهما حفظها ولا إدارتها حتى يثبت عندها بالتجارب صدق رجوع الأولى إلى استحسانها بالقلب والقالب، وإيثار الأخيرة المصالح العمومية على الحظوظ الشخصية واكتسابها المروءة الإنسانية المانعة من قبول الإنسان خطة لا يباشرها بصدق نية. بالجملة فإسناد الشيء إلى عهدة متمني زواله من أقوى موجبات اختلاله واضمحلاله. وأما الشبهة الرابعة: وهي اقتضاء التنظيمات لمزيد الضرائب على المملكة فجوابها أن هذا القائل المسكين لو علم ما ينشأ عن حالة الاستبداد وحالة التقيد بالتنظيمات لما صدرت منه هذه القولة الوهمية المبنية على عكس القضية، فإن حالة الاستبداد هي التي تقتضي كثرة الضرائب؛ إذ يؤخذ فيها اللازم وغير اللازم ليصرف فيما هو في الغالب غير لازم، بخلاف حالة التقيد، فإنها بضبط الدخل وصرفه في خصوص الأمور اللازمة لا تكلف فيها أهل المملكة إلا بضرائب تسمح بها نفوسهم، حيث يرون لزومها وصرفها في مصالح وطنهم. فإذا قابلنا ما يلزم صرفه على إجراء التنظيمات بما ينقص بها من المصاريف والخطط غير اللازمة التي لم تكن محدودة قبل التنظيمات بعدد ولا ضابط، مع ما يرتفع بها من المظالم التي لا تقف بدونها عند حد، لم يبق للمنصف شك في أن التنظيمات على فرض كثرة خططها من أقوى أسباب الاقتصاد والتوفير، لا سيما والمباشرون لاستخلاص المجابي متقيدون بالقوانين أيضا، فشتان بين حالة المستبد الذي يأخذ ويعطي بمقتضى الشهوة والاختيار وحالة المتقيد بالقوانين الذي يفعل ما ذكر بمقتضاها، متوقعا تعقب آراء كثيرة يخجل من تنزيلها إياه منزلة القاصر في تصرفه، فضلا عن الخائن فيه، فبان بهذا أن المصاريف البالغة التي تكلف المملكة ما لا طاقة لها به إنما تكون حالة الاستبداد، وأن الاقتصاد الذي هو منشأ خيرها إنما يحصل بضبط سائر التصرفات بقيود التنظيمات.