تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها ما زان جيد الكتاب بقلائد عقيانه، وشاد ببيانه المستطاب مشيد بنيانه، الهمام النحرير، كشاف غوامض العلوم بمزيد تحقيق وتحرير، الفاضل الأورع، والعلامة الأبرع، من لم يزل يدأب في مهامه العرفان جواد جده، غير قانع بمرتبة الإمامين المقدسين والده وجده، إلى أن كسا الطروس بمطارف من طريف معارف على منوال التهذيب منسوجه، جناب أبي العباس الشيخ سيدي أحمد ابن الخوجه، ثالث المفاتي الحنفيه، لا زال رافلا في برود الألطاف الخفيه، والنعم الضافية الوفيه، ونصه:

الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، نحمدك يا من جعلت الشريعة المحمدية عقد واسطة الشرائع، وأبديتها لعمران الدارين أقوم المسالك وأقوى الذرائع، ورفعت على أعمدة المصالح سمكها، ورصعت بزواهر الحكم فلكها، حتى صلحت تاجا لمفرق كل زمان ، وغرة ميمونة لجبين كل أوان. ونصلي ونسلم على رسولك محمد الذي بعثته بمكارم الأخلاق، عند تلاشيها وبلوغها حد الأخلاق، وأيدته بالمعارف المتلألئة الأنوار، وعززته بالمعجزات التي ساجلت الشمس في رابعة النهار، وننظم في سلك الصلاة والتسليم، آله وأصحابه فرسان الخيل ورهبان الليل وكهف دينه القويم.

أما بعد، فإن شريعتنا الغراء قد رصع الله بمصالح العباد تاجها، وأوضح بها لمكارم الأخلاق منهاجها، ومن فضله عز اسمه العميم ونائله العتيد، أن كلياتها إجمالا وتفصيلا تصيب كل غرض قريب وبعيد، فليس فيها بمنة الله سائبة، للأنظار الصحيحة والأفهام الصائبة، وممن اهتدى بمنارها، وعشا إلى ضوء نارها، وانتصب لحماية ذمارها، العالم الفاضل الماجد أمير الأمراء السيد خير الدين، فهذا كتابه أقوم المسالك شاهد عدل له على امتداد الباع وسعة الذرع، وحسن الاقتدار على ربط السياسة المدنية بالشرع، كتاب ضرب في الإبداع بسهم مصيب، ونزع ناظم عقوده المتناسقة المنزع الحسن الغريب، خامر الألباب بسلاف البيان، وطبق المفصل في تنزيل البرهان على حوادث الزمان، أوضح رسوم الإفادة، وسبق في مضمار الإجادة، وكشفت عن أسارير الحقائق قريحة مؤلفه الوقادة، محض فيه صفو نصحه، وسفر عن محاسن صبحه، وشعشع المعارف بتحريره وروقها، وبقلائد الذكر الجميل طوقها، أسمت سرح اللحظ في مقدماته فإذا هي بديهية الإنتاج، صحيحة الاحتجاج، بحيث تتأكد إليه الحاجة لا سيما حين زلت الأحلام، وولت شبيبة الإسلام، بعد أن مد على مراكز النجوم أطنابه، وأناخ بساحة العزة القعساء ركابه، سكن الله زلزاله، وبلغه في أنصاره آماله، ولا سيما والحربي اليوم قد كاثرت الحصباء جموعه، وراع القلوب مرآه ومسموعه، بما أبداه من الآلات المخترعه، وتنويع المكائد والحرب خدعه، فلا جرم أن مكافحته تفتقر إلى النسج على منواله، ومسابقته في سجال احتياله، وهذا إنما يجتنى من دوحة الغنى، فتوفير المال ظهير لبلوغ الآمال، وبه تذب عن بيضة الإسلام حماتها، وتدافع عن حوزته كماتها، وهو بمزاولة الحرف المباحة على اختلافها، وخوض لجج المعارف وارتضاع أخلافها، حتى يستبحر العمران، حكمة الله في الإيثار على الملائكة للخلافة نوع الإنسان، وقد تعاضد العقل والشرع والتجارب، أن سدل الأمان عنصر هاته الرغائب، ومما صدع به القرآن، أن يأمر بالعدل والإحسان، وقد بينت السنة أن الإحسان يختلف باختلاف الأمور، وأنه على صفحة كل شيء مسطور، وفتور العزائم يحذر منه السم الناقع، والخرق الذي يحار فيه الراقع، والرعاة إذا لم يوردوا سوائمهم المناهل العذبه، وينتجعوا لها مساقط الغمائم الخصبه، ويصلحوا خللها، ويعالجوا عللها، ويسعوا لها في النماء والتثمير، يعزب لا محالة حصول التعمير، فسبحان من بيده مقاليد التدبير، ولا يسأل عما يفعل وإليه المصير! حرره فقير ربه خادم الشريعة المطهرة أحمد بن الخوجه كان الله له، في الحادي عشر من ثاني ربيعي عام 1285.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦٦