تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها ما كان لها مسك ختام، وبزغ إثر كواكبها بزوغ بدر التمام، وتأخر عنها تأخر ثقال السحب عن الجهام، وليلة القدر من شهر الصيام، من در الآداب البديعه، الذي بدده على بساط سياسة الشريعه، قلم العيلم العلامه، والنحرير الجهبذ الفهامه، مطرز مطارف المعارف، بطوارف الطرف واللطائف، من لا يجارى في ميدان البيان، بغير التسليم له والإذعان:

إذا أقر على رق أنامله

أقر بالرق كتاب الأنام له

جناب ذي الروض الممطور، والثناء المعطور، الشيخ سيدي محمود الشريف القاضي بباردو المعمور، فسبحان من ألان له حديد الكلام، فلم يستوعر من أي غرض رامه طريقه، وخصه فيه بالنقض والإبرام، فاسترق حره وحرر رقيقه، كما يشاهد ذلك بالعيان، من حسن هذا التأبين الذي ليس بعده بيان، حيث يقول، ظفر بنيل المأمول:

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب، ليقوم الناس بالقسط وليتذكر أولو الألباب، نحمدك على أن خصصتنا من بين سائر الأمم، بالكتاب الذي يهدي إلى التي هي أقوم، أنزلته من المقام الجامع فارقا بين الرد والغي، وأوعيته مناهج الدارين فما فرطت فيه من شي، لا يشب عمر حادثة عن طوق عباراته، ولا يبلغ غواص فكرة غور إشاراته، واستمنح من ديم جودك الواكفه، وفيوض إحسانك المترادفه، أن توالي صلات صلواتك البهيجه، وتهب نفحات تسليماتك الأريجه، على مظهر ذلك الكتاب المكنون، الذي لا يمسه إلا المطهرون، المستنبط من ظهوره والبطون، علم ما كان وحكم ما يكون، من أخذت له ميثاق النبيئين قبل بعثته ووجوده إعظاما، وشرفتهم ببيعته وعهوده إكراما، وقررتهم شاهدين على أنفسهم وهم الأمناء، آخذين إصرك وأنت معهم من الشهداء، تنويها بأنهم حلفاؤه وخلفاؤه، فملاذهم في الدارين ولاؤه ولواءه، شرعه الإصباح، المغني عن المصباح، في العادة والعباده، والمحجة السمحاء، السابلة الفيحاء، التي هي قصد السعاده، وكتابه القرآن، المتلقى من لدن حكيم عليم، روحا من أمره يوحى، والفرقان، الهادي إلى صراط مستقيم، نورا يبهر يوحا، ونستتبع أسكوب رضوان، في رياض روح وريحان، لحماته وحزبه، القائمين بسلمه وحربه، الفائزين بأعظم قربه، من القربى والصحبه، هداة العباد، وفتحة البلاد، ما أضاء الشرع لقادة الأمة كل مدلهمه، فاستبانوا أنه تفصيل لكل شيء وهدى ورحمه.

هذا، ولما كان العدل نظاما لعقد العمران، وعهدا لخلافة الإنسان، وجب أن يتحرى في تحصين سياجه عن تطرق الظنن، وترصين معقله بتظاهر المنن، ووزع نوازع الأهواء عن استباحته، والأخذ بحجز الآراء إلى حماية ساحته، ولغلبة سلطان الهوى بما له من الأصاله، على وزعة الدين والمروءة والحياء المعبر عنه مجموعها بالعداله، تعسر أن يستعصم غير المعصوم عن داعية هواه، إلا بالانقياد لسواه، فالرئيس مفتقر في شد أزره، إلى الإشراك في أمره، والمرءوس مكلف بانشراح صدره، للإذعان في المنشط والمكره، ومن ثم كانت يد الله مع الجماعه، وعصم الإجماع إلى قيام الساعه، ولم تزل الشورى في كل ملمه، ديدن السلف الصالح من قادة هاته الأمه، حتى أثنى عليهم بها الكتاب المجيد، إشارة إلى أنها من سنتهم التي تنكبها ضلال بعيد، ومثل في الإنجيل ما لهم من الموازره، بزرع أخرج شطأه فآزره، ومن سبر بمسبار الروية أغوار السير، وجس بأنامل الألمعية نوابض البدو والحضر، واستشرف على استشراء الممالك الأوروباوية وتغطرفها، واستئسادها وتصلفها، بما فوفته من أبراد الحضاره، وما أورفته من ظلال العماره، لا تخامره ريبة في أنها نتائج متناسقة الكعوب، ومغارس متضامة الجنوب، سنخها تضافر العزائم والألبب، وانعطاف بنات البب، على إطراح الأغراض الشخصيه ، للمصالح الكليه.

ثم إذا عطف أعنة النظر إلى الممالك الإسلامية وتقراها، وجاس خلال مدنها وقراها، وتبين ما منيت به من تزايد الغمرات، وتناقص الأموال والأنفس والثمرات، لا يتمارى في أن حورها بعد الكور، وارتدادها عن النجد في حافرة الغور، ليس إلا لعدم رعاية الحقوق العامة حق الرعايه، وفشل الحمية بالتنازع المفضي إلى ذهاب ريح الحمايه، فكأنها مساوح جياد ركبت أرسانها، وألفت مرحها واستنانها، لا تكاد تسمح لرعاتها بالتخلي عن مألوفاتها، فهي مفتقرة إلى تدبير سياسي، في تأليف إيناسي، يلهب حميتها إلى مساعفة الراضه، ويهب أريحيتها، إلى مساهمة الأمة المرتاضه، وبينا ذلك دين على الأيام تماطل بإنجازه، وتعلل عن حقيقته بمجازه، إذ انتدب لتوفيته ابن إحداها، الخبير بلحمة السياسة وسداها، المدره المماحل، الذي فعله للقبه خدين، الهمام الحلاحل، السيد خير الدين، فإنه لما قتلها خبره، وتعمقها سبره، جلا أناسي عيونها، ومعالم سهولها وحزونها، في مؤلف مهذب، هو عذيقها المرجب، وسمه بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، فيا له من كتاب أوفى به المجد نذره، وأبلغ الحفاظ عذره، ونظرت عيون السياسة قررها، واستنصرت جباه الرئاسة غررها، يأتزر صيته بالسحب، ويتعمم بمجرة الشهب، أصاب شواكل الرمي، ولين أخادع المعنى الأبي، بألفاظ أغض من الزهر الجني، وأبهى من الحلي على صدر الهدي، فما هو إلا روضة مفوفة في حزن، تجودها نطفة مروقة من مزن، تثلج فؤاد الحران، وتنفث في روعه بسحر من البيان، يسفر عن صفحات حجج بيض، لفرند جوهرها وميض، متبرجة المعارف، في مضرجة المطارف، ترشف الأرية المشوره، من خلايا المشوره، نهضة محتسب، لا تسري التهم بليله، وعزمة منتدب، لا يعلق الفتور بذيله، قام بواجب النصح والعزائم قواعد، وشاد بنيان النجح على أوطد القواعد، خاض دونه المكاره، فاردا بعزم فاره، متقحما لقاتم أعماق مصفر، لا تنصبغ فيه الأهواء بعصفر، صنيع لا يغض عنه طرفه، ويثني دونه عطفه، إلا الذي هراق ماء حيائه، فلم يبال باتباع أهوائه، وليقدرنه حق قدره، من نزعت السخائم من صدره، غير قائم بمستحق شكره، ولا طاوي كشح دون نشره ، نسأله سبحانه بلسان الضراعه، ونرغب إليه بمبلغ الاستطاعه، أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، ليشهدوا منافع لهم، كما جعل ألسنة من الهداة تثني عليه، يعزز آخرهم أولهم، وأن يبلغ مؤلفه غاية الآمال، ونهاية الكمال، بمنه آمين. حرره خادم الكتاب والسنه، المستضيء بهما في كل دجنه، العبد الضعيف محمود الشريف، أحسن الله عواقبه، وجعل التوفيق مصاحبه، في السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة 1285.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦٧