تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها ما للكاتب الأبرع، الرزيز اليلمع، من لم تزل نفسه الزكية في رياض التهذيب سائمه، وفي شواسع مناهج الآداب دائبة غير سائمه، مولعة بجوب البلدان، للاتجار في أسواق العرفان، المعنعن حديث فضله على لسان كل راوي، أبي العباس الشيخ سيدي أحمد البصراوي، من أهل المدينة النبويه، على صاحبها أفضل الصلاة والتحيه، ونصه:

الحمد لله حمد من عرف الفضل لأهله فشكره بين الأمم، وتوج منابر ذكره بحسن الثناء في محافل أولي أرباب السياسة من دول العرب والعجم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القاطع برهانه ما قام في مخيلة الفكر من شبه الأذهان، وعلى آله وأصحابه المتمسكين منه بخير الأديان، فعلموا به حكم كل أمة حسب ما يحدث في كافة الأزمان.

وبعد، فحيث إن مظهر شرف النوع الإنساني هو نتيجة فكره، وتاج عزه في سلطان فضله تمسكه بالرفق في نهيه والعدل في أمره، فلا ريب أن تسجد شمس المعرفة لهذا المحقق تحت عرشه، ويدور فلك سماء العقل على قطب فضله ونبله، ويتميز عن أقرانه برتبة المجدد لهذه الأمة أمر دينها، ويحوز تاج فخر من أسس للملوك نظام رعيها بإيضاح تنظيمها، وحقيق بأن يرتقي إلى مقام رفرف مقام مقعد الصدق من لسان كل شاكر، ويترجم في طبقات العلماء الراسخين الأكابر، إذ ما أبداه في مؤلفه هذا كشف به قناع الغفلة عن أرباب القلوب، وفتح به أعينا عميا ضلت طريق الإنصاف الذي هو لكافة عباد الله غاية المطلوب، وقد ظهر به ينبوع الحكمة النافعه، وأشرقت منه شمس المعرفة في سماء الفضل السابعه، فصار لأهل الاقتداء حجة يعول عليه، ولأرباب السياسة مركزا تنتهي دائرة العدل إليه، ولم يرتب المنصف عند تأمل مفرداته وجمله أن يعيه بأذن واعيه، وينثر جواهره في مجالس أرباب المعرفة لتكون ألسنة أهل الخير له داعيه، وحيث كانت هذه النبذة منه تذكرة وموعظة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وعلم أن المرجع إلى الحق طريق ليس عنه محيد، فالواجب حينئذ على من تحلى بحلية الإمارة أن يعرف لهذا المحقق هذه النعمه، ويقوم عنه بوظيفة أداء هذه الأمانة لرعاة كافة الأمه، وما ذلك إلا لما تقرر عند ذوي الإرشاد، أن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكافة المسلمين من العباد، وقد تحقق بما سطر من البراهين قول القائل، لم تبق هذه الحسنة قولا لقائل. هذا، وليعلم الناظر في هذا المؤلف أنه حصن لا يدخله الباهل، وروضة أنس لا يحول حول حماها مكابد ومجادل، شكر الله صنيع مؤلفه يوم يجزي المحسنين، وأجلسه على مناص أولي المناقب يوم لا يضيع أجر المؤمنين وهو تعالى على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. حرره الفقير خديم العلم الشريف أحمد البصري الحنفي المدني.

ومنها ما للنبيه النجيب، اللوذعي الزكي الأديب، الصارف همته لنيل العلوم، ذي القريحة الجيدة في المنثور والمنظوم، السابق أقرانه في الميادين، أبي العباس سيدي أحمد جمال الدين، من أعيان نجباء الطلبة بالجمع الأعظم، وفي سلك الماهرين البارعين ينظم، ونصه:

حمدا لمن قيض لجلب المصالح ودرء المفاسد من شاء من عباده، وطبعه على نشر عوارف المعارف حتى أهله للتأسي به في أرضه وبلاده، كما نحمدك اللهم على ما به خصصتنا من أشرف الشرائع، المتكلفة على اختلاف الليالي بجميع المنافع، المبنية على سد الذرائع، ونصلي على نبيك أشرف مبعوث أبرزته للعالم متحليا بملابس العدل، ومفحما بملته كل من رام المكابرة أو نوى الدخل، وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل الباد، المنادين لطرق شريعته كل حاضر وباد.

هذا وإني صرفت الهمة يوما إلى خلو الفكره، واستجلبت الخواطر لما بي من تلهف الحيره، متنفسا تنفس الصعدا، ومتأوها تأوه الغربا، على الحالة التي آل إليها أمر الإسلام، وما أحاط به من حوادث الأيام، إذ ناداني هاتف لسان الحال، وهو كما قيل أفصح من لسان المقال: يا من توقدت جمراته، وتضاعفت حرقه وحسراته، ألم تر هبوب نسيم البشاره، وتسمع تغني خطيب النجاح على منابره بأفصح عباره، واضحا كالقمر لاهتداء السالك، معنونا بكتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، فلعمري لو رآه لارتضاه لزماننا إمام الأئمة مالك، فتصفحت ما أودع في بطون أوراقه، واستضأت بأنوار إشراقه، فألفيته محشوا بجواهر المعاني، مشحونا بلطائف يعترف بها من لعبء المكابرة يعاني، وسكن حب مؤلفه صميم الجنان، فقلت مبتهلا: اللهم أسكنه فراديس الجنان، إذ نظم في سلكه علم السياسة وفوائدها، وجمع فيه شتاتها وقيد شوارد عوائدها، أزهار معارفه مختلفة الأجناس، وأنهار مشاربه مجلوة كئوسها على اختلاف الناس، فحقيق كتبه بماء العين، كيف لا وقد أبدعته أفكار من تطابق اسمه والعين، أعني جناب الواقف بسيفه الباتر في حماية الدين، الحلاحل الجهبذ سيدي خير الدين، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، إذ قام على ساق الجد ناصحا ليذود عنه ضيرا، ولا زالت الألسن بالثناء على صنعه لاهجه، وتجارته بحول الله رابحة رايجه. كتبه عبيد ربه أحمد جمال الدين في ربيع الثاني سنة 1285.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦٥