هذا وإن من أهم المهمات، معرفة أحوال الوقت وما يناسبها من التصرفات، على وجه يفضي إلى نمو العمران، واستجلاب مرضاة الملك الديان، وممن حدا على هذا المقصد المهم، وأزاح عن عقول القاصرين عن إدراكه كل حندس وهم مدلهم، نادرة العصر، ومن جرت به الخضراء ذيول التيه والفخر، الهمام الأفخم، والملاذ الأضخم، جناب أمير الأمراء سيدي خير الدين، بتأليفه الذي سماه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»؛ فلقد كشف فيه من كنوز السياسه، ما لو رآه مثل ولي الدين في هذا الوقت لطوى قرطاسه، وقال لسياسته ليس ذا بعشك فادرجي، ولسياسات هذا الكتاب تدرجي، وفي حوالك الحوادث الوقتية ادلجي. وبالجملة فهو كتاب لم يؤلف مثله ببابه، ولا خاض أحد قبله في تياره وعبابه؛ كيف لا ومدار أمره على إقامة ميزان العدل، وسبر تنزيل النصوص الشرعية بمسبار العقل، وجبر خلل البلاد والعباد، والتعريف بحال الأضداد، ليتيسر القيام بواجب الاستعداد؟ فأي عاقل خلص عن عوائق العناد، لا يلقى لهذا الكتاب بعد فهمه زمام القبول والانقياد، بل ما له إلا الاعتراف لمن دعم على العرفان أساسه، بأنه من أرسخ الناس قدما في النصح والسياسه، فالله المسئول أن يجازيه عن جميل صنعه، بإجراء ثواب العمل بالكتاب ونفعه، وعن تشريفي بنسخة مما نجز من طبعه، بمقتضى كمال فضله ووسعه. وكتبه محمد عريف في 20 ربيع الأنور بمولده
صلى الله عليه وسلم
عام 1285. •••
ومنها ما رقمته أقلام ذي النسب الطاهر، والحسب الشامخ والكمال الباهر، ليث العرين، ومن ليس له من غير أهل البيت في الكمال قرين، أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد الشريف، أبقاه الله مصدرا لكل مكرمة ومنزع لطيف، ونصه:
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، جناب وحيد العصر، ومن جلت مآثره عن الحصر، الهمام أمير الأمراء سيدي خير الدين، خلد الله مفاخره، ولا عدم الحق منه موئده وناصره.
أما بعد السلام، المحفوف بواجب الاحترام، فإني قد اطلعت على ما تم طبعه ووصلني به ودكم من تأليفكم الموسوم بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، فرأيته قائما للأمة بالنصح السديد، صادعا فيهم بالحق الذي لا عنه محيد، معلما لهم بما لو اتبعوه لأرشدوا، وعلى حسن عواقبه حمدوا، فجزاك الله المنان، عن بث ما يثمر العدل والعمران، والأمر بالمعروف والإحسان، الحاث عليه شرع الإيمان، المبلغ صاحبه غاية النصح بقوله: «إنما أنا النذير العريان»، وهو تعالى المرجو أن يحمد مساعيك، وينجح أمانيك، والسلام من محمد بن محمد الشريف. في 25 ربيع الأنور سنة 1285.
ومنها ما جاب به المهامه الشواسع، وخاض العريض من البحور الواسع، حتى أوصله إلى حاضرتنا، وانخرط في سلك تقاريظ الفضلاء من جماعتنا، مدير المعارف العموميه، ومنفق أسواقها بعد الكساد بسوريه، الشيخ خليل الخوري، أبقاه الله لكل غريبة لنا يوري، ونصه:
الحمد لله، حضرة صاحب السعادة مولاي الأفخم سيدي خير الدين، لا جرم أن لسان القلم قاصر عن بيان ما ليدكم الغراء من المنن، كما أن اللسان عاجز عن تبيان ما لذلك اليراع الجليل من الجميل في جيد الزمن، فإن تأليفكم المفيد المسمى بأقوم المسالك، جدير بأن يكون إكليلا لمجد الممالك، فقد أفاضت به معارفكم الجليلة أنوار الفطنة وأبكار الرشاد، فجاء من أعظم التصانيف التي أهدتها الحكمة لتهذيب العباد، فآمل أن تجتني من حسن تأثيره الأمة الإسلامية تمام الأرب، وأرتجي أن يكون مصباحا في أفق العلا لإعادة تمدن العرب، وأن يصبحوا بما أبنتموه فيه من الطريقة المستقيمة مقتفين، وبأدوية نصائحه من أدواء الغفلة مشتفين.
ولما سرحت بمطالعته النظر، وبلغت من مراجعته الوطر، بادرت لإشهار ما تبين له عنه في غزتة سورية الرسمية المطبوعة في دمشق تحت إدارة هذا العبد، وزينت بما لخصته منه غزتتي حديقة الأخبار، مع تأدية بعض ما يجب للجناب من فروض الحمد، وتجاسرت بإرسالها مع هذه البوسطة الفرنساوية لأعتاب مهابتكم، مع بعض نسخ من مؤلفات عبدكم، آملا أن تتشرف بأنظار سعادتكم، راجيا التعطف بالعفو عن القصور وحسن القبول، ذلك أحسن منة وأعظم مأمول، سائلا المولى المتعالي، أن يحفظكم غرة في جبين المعالي. كتبه عبدكم خليل الخوري مدير المعارف العمومية في ولاية سورية في 12 صفر سنة 1285.