تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قرأت في رائد الأسبوع الأول من هذه السنة المباركة جملة ما كتبه فضلاء العصر، وأعيان المصر، في تقريظ هذا الكتاب، رأيت من ذلك ما يبهر الأفكار ويسحر الألباب، وما منهم إلا من أتى في مدحه باللباب، وأظهر من نفثات سحره العجب العجاب، وإن كانوا يتفاضلون في مراتب الترجيح عند إدارة الانتخاب، فحدثتني نفسي أن أدخل فيهم وأكون منهم، وإن كنت لست بأهل لأن أجلس بين أيديهم وآخذ عنهم، فأتيت بما أظنه يستجاد، وجعلته لعاتق كتابك كالنجاد، وهي القصيدة المثبتة في صدر هذا الرقيم، والأمل أن سيدي يقبلها بفضله العميم، ويقابلها بما هو أهله من التبجيل والتكريم، ويتصفحها بعين الناقد البصير، ويصفح عما بها من القصور والتقصير، وإن لم يرها من مطامح آماله، ولا من صوادح رياض أعماله، فليتخذها تميمة لكتابه وعوذة لكماله، والسلام الأتم عليه، ما حن قلبي إليه، كتبه آخر المقرظين إملاء، وأولهم خلوصا وولاء عبيد ربه محمد بن الحسن التطاوني في 23 صفر الخير سنة 1285.

ومنها ما رصع به تاج ذا التأليف، المتحلي من مطارف المعارف بالتليد والطريف، سلالة العلم والعمل، وخلاصة المجد النازح عن الأمل، فرع الدوحة المتأرجة بطيب ذكرها سائر النواحي، أبو عبد الله الشيخ سيدي محمد الرياحي، أحد أعيان كتبة الدولة التونسية، لا زالت محفوفة بألطاف الله الخفية، ونصه:

الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم، الجهبذ الذي انتهت إليه الرئاسه، وألقت إليه مقاليدها السياسه، ودعم بناء قواعد العرفان وأحكم أساسه، إنسان عين أهل المعالي، وواسطة عقدهم الغالي، وقطب فلكهم العالي، الهمام الأفخم أمير الأمراء سيدي خير الدين لا زالت العناية لاحظة عزيز جنابه، والسعادة لاثمة لأعتاب أبوابه.

أما بعد، سلام تصاحبه غاية الاحترام، ونهاية التعظيم والإكرام، فقد وصل إلي - أوصل الله إليكم أسباب العلا، وألبسكم رائق الحلى - تأليفكم الخطير، العديم النظير، المسمى بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، واطلعت عليه فإذا هو كتاب تستوقف بدائعه الناظر، ويخجل بحسنه الروض الناضر، حيث جمع بين حسن الترتيب، والتعريف بأحوال السياسة في أسلوب غريب، وبيان أسباب التقدم في المعارف، وتحريض أبناء الوطن للتفيؤ تحت ظلها الوارف، إلى غير ذلك من الفوائد الجمة، والتحريرات المهمة، التي تتنافس فيها القلوب والعيون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون قد أديت معانيه في ألفاظ، تفعل في النفوس فعل سحر الألحاظ، فلله درك من مؤلف مجيد، نسخت من صيت ولي الدين ولسانه الطارف والتليد، وتفردت بالكمالات الظاهرة دون إضمار، وسابق الحلبة إنما يعرف آخر المضمار، جزاك الله جزاء من استغرق بفواضله لمراتب الأعداد بما لا يعتريه نفاد، وقرن أعمالك بالنجاح والسداد، وبلغك في الدارين نهاية المراد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من معظم قدركم، اللاهج بذكركم، المثابر على شكركم، محمد الرياحي وفقه الله بمنه. في ربيع الأنور سنة 1285.

ومنها ما جادت به قريحة الفاضل العمده، والمدخر لكل مهم عدة الأثيل مجده، والواري في ميادين الآراء زنده، الثقة الأمين المترائي في مرآة المروءة لكل عين، الغني عرفانه عن التعريف، الأعز المنتخب أبي عبد الله سيدي محمد عريف، لا زال يتفيأ من نعم الله وألطافه كل ظل وريف.

الحمد لله، سبحانه من أحكم أحكام الشريعه، وجعلها لمصالح الدارين أقوى باعث وذريعه، وخص من شاء من عبيده، بتوفير العقل وتأييده، ليغوصوا في بحورها على درر المدارك، ويسلكوا لجلب تلك المصالح أقوم المسالك، وصان عن النسخ أحكامها، وأدام إلى فناء العالم احترامها، لاقتضاء حكمته أن تكون خاتمة الشرائع، ويوجد بها لمقتضى حال كل جيل مجال واسع؛ فلذلك اختلفت فروعها باختلاف الأنظار والأعصار، وقال تعالى إرشادا لذلك: فاعتبروا يا أولي الأبصار، نحمده حمدا يليق بحضرة قدسه، ونثني عليه بما أثنى به على نفسه، ونصلي على رسوله إنسان عين الحكمة والرحمه، صلاة تشمل الصحب والآل وتعود بالنفع على سائر الأمه.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦٣