إن تقل: كيف ذاك وهو أخير
هل يفوق المأموم قدر إمام؟!
قلت: فاق النبيء وهو أخير
كل ذي رتبة سمت في الأنام
ليس للقدرة القديمة عجز
وكذا الفضل لم يزل في انسجام
خل وصف النبيء فهو محال
والسوى جائز بغير ملام
وهذا، وما أخرني عن الجواب، إلا ضعفي عن إدراك مواقع الصواب، ومعلومكم أن الهدية على قدر مهديها، وإلا فأي غرية لديكم أبديها، وعليكم أزكى السلام من مخلص ودكم، وحافظ عهدكم، الداعي لكم بمزيد التهاني، عبد الله بن محمد السوداني، الخطبي عامله الله بلطفه الخفي. في صفر الخير من عام 1285.
ومنها ما نثر منظومه على بساط الآداب، ونظم منثوره عقودا لجيد هذا الكتاب، اللوذعي النقاب، ومبدي لطائف المعارف وما على وجهها نقاب، ذو الفكر الثاقب النقاد، ومن لسواه نواد النوادر لا تنقاد، ومن له المعلى من أعشار الكيس واللسن، أبو عبد الله الشيخ التطاوني سيدي محمد بن الحسن أحد أعيان كتبة الإنشا، لا زال لكل أطروفة ونصح منشا. ونصه:
الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبيء بعده:
هو العدل يحيي كل ميت من الأرض
ألا هكذا فليقض من رام أن يقضي
هو العدل والإحسان توءمه الذي
ينوء به عند الإقامة والنهض
وإعطاء كل من ذوي الحق حقه
ألا إن ذا الإحسان وهو الذي يرضي
بذا تعمر الدنيا وتحسن لا بما
يجود به النيسان من مائه الفضي
وليس لعمران البلاد وخصبها
وجر انتصاب الرفع للعيش بالخفض
سوى أمل في الأمن ينمو غراسه
وأعمال بر لا تئول إلى الدحض
وهل أمل أم هل أمان وكلنا
يغلب حفظ النفس في الحب والبغض؟
فيأخذ من هذا لهذا مرجحا
ولا وجه للترجيح غير الهوى المحض
ويجعل ذا مستهترا في مكان ذا
وهذا إلى إخلا المكانين قد يفضي
خليلي إن الحق يعلو بناؤه
وليس بناء الحق يوما بمنقض
وفي الأخذ والإعطاء بالحق معقل
لتأمين ذي خوف وبسطة ذي قبض
وما الحق إلا في اتباع شريعة
مطهرة جاءت بحكم لها مرضي
يروح لها المقضي عليه مسلما
بلا حرج في النفس مما به تقضي
وفي حسن أخذ بالمداراة رغبت
وحضت على تهذيبنا أيما حض
أمان وإيمان نتيجة هديها
فعض عليها جاهدا أيما عض
وليس مراد الشرع غير استقامة
يكون عليها الحق في العالم الأرضي
يقول: استقم كما أمرت وأن لو اس
تقاموا لأسقيناهم غير ذي برض
خليلي إن الإستقامة منهج
قويم لحفظ النفس والمال والعرض
فثابر عليها واعيا نصح حازم
عليم بإمرار العزائم والنقض
هدانا من اقوم المسالك مسلكا
لدى السبق يكفي في مداها عنا الركض
كتاب لخير الدين جاء محررا
أتانا من التحرير بالنفل والفرض
دعانا إلى حرية عز نيلها
ومن دونها قلب السماء على الأرض
ولكن عساها أن تروض صعابها
سياسة رحب الصدر ذي أدب غض
خبير بأدواء الأمور وطبها
فلا نكس مهما جس منها على نبض
فيا فخر دنيانا ويا خير ديننا
ويا ذخر من يمنى من الدهر بالدحض
كتابك أجناني ثمارا عرضتها
بأول شعر قد أجدت له عرضي
وأبرزت ما أحرزت منها جواهرا
بسلك نظام عقده غير مرفض
وحبرتها تحبير واع لنصحكم
ومبصر ما أبداه برقك من ومض
كتاب حوى سر التوصل للعلا
ونبه جفن الإغترار من الغمض
تقاضاني التقريظ حقا مرتبا
علي له لا كالتعامل بالقرض
فجدت بهذا النزر من شكر صنعكم
بحقك فانظره بعين الذي يغضي
ثنائي عليك أنك اليوم أوحد الز
مان فدم واسلم من الهضم والهض
جزاك عن الإسلام كافل نصره
وأرضاك عنا بالذي لك قد يرضي
سيدي، أنجح الله مساعيك، وأخصب بمنه رياض مراعيك، أتحفني بعض الأعزة من الإخوان بأن رفع إلي وأنا بحال مرض نسخة مما طبع من كتابكم الموسوم بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، فلما وقفت عليه أكبرته بعد ما كبرت، واستفدت ما به اتعظت واعتبرت، واستعبرت عيني أولا لما ضاع من ذمام الإسلام وأهله، ثم انشرح صدري لما تحققته من توجه همتكم لجمع شملهم وشمله، علما بأنك من أساة الدين؛ ولذا دعيت بخيره، ومن سوانح دعاته المهتدين الذي بشر بيمن طيره، فالله تعالى يبقيك علما، ويجعل قصدك أمما، ويتلافى بك من أهل هذه الملة الحنيفية أمما، إنه ولي ذلك والملي به.