تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع النصائح الحكمية، المعضودة بالأدلة الشرعية، والنصوص الأصلية والفرعية، تتوصل إلى إدراكها العقول السليمة، والطباع المستقيمة، بيد أنها نصيحة كبرى لأهل الإسلام، وفرض استقل بالقيام به وحده دون سائر الأنام، وحق على من ثافنه ووصل إلى تحقيق معناه ومراده، أن يبادر بالعمل بما فيه ليعد من أبناء آدم وأولاده. وإنه لمما يجب العمل به على أهل الإسلام، الخاص منهم والعام، إذ بمثله يعمل العاملون، ويتبصر المتبصرون. وإن من لم يقم بواجب ذلك، ولم يسلكه مسلك أقوم المسالك، إما لعجز اعتراه، أو جهل بسياسة دنياه وأخراه، فليكن عمله الابتهال إلى الله، بالدعاء لفارس هذا الميدان، ومن له القدم الراسخ في هذا الشان، ويقل: اللهم أطل لنا بقاءه، واجعل في سماء السعود ارتقاءه، وأفسح له يا رب العالمين في الأجل، وكن له معينا على إثمار هذه النصائح مع بلوغ الأمل، واجعل قطرنا هذا سالما ومبرءا بتحريض إمامنا وسيدنا المشير دام عزه ونصره، وبوزيره الأكبر ذي الرأي الثاقب والتدبير كمل فخره، وأعن جميعنا على العمل بما تضمنه هذا الكتاب، وما حوته مقدمته من الفصول والأبواب وإلى الله المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الوهاب، والسلام على ذالكم المقام. كتبه فقير ربه، وأسير ذنبه، عبده علي بن محمد الطويبي إمام جامع جبل المنار وقاضيه، كان الله له، وختم بالخيرات عمله، بمنه آمين. في 18 صفر الخير عام 1285.

ومنها ما زان به الطروس، وأزال عن وجه السياسة كل عبوس، حتى كان حريا بأن يقال فيه لا عطر بعد عروس، الشيخ الفاضل الأجل، نادرة الزمان والمثل، أبو محمد سيدي عبد الله السوداني، بلغه الله وسائر المسلمين الأماني، ونصه:

حمدا لمن أعان ذا الهمة والحماسة، على تقرير ما يحصل به العدل وحسن الرئاسة، بانيا على منهج الشريعة أساسه، ومبديا على منصة لسانه، عرائس خدر جنانه، وملتزما النصح والتدبير، ليستجلب به الصلاح والتيسير، واستند في ذلك لما قاله ذوو الفضل، المال بالرعية والرعية بالعدل، فنسج على هذا المنوال، واعتبر ما يئول إليه الحال، ألا وهو العلم الشهير، الفذ الكامل الذي ليس له نظير، من طابق اسمه مسماه، وكلت العقول فيما أظهره وأبداه، الطود الراسخ المتين، حافظ الدولة الحسينية وهو في نصحها الأمين، أمير الأمراء سيدي خير الدين، لا زال خيره يزيد، وأسبابه بربه لا تنقطع ولا تبيد.

أما بعد؛ فقد شرفتني بكتابك «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، فأمعنت نظري فيه فوجدته للرتق فاتقا، وبمقتضى حال الوقت لائقا، جامعا لموجبات العدل والسياسة، اللذين يستضيء بهما العالم نبراسه، إذ السياسة من علم الشريعة محسوبة، وعليها تصرفات الحكام منصوبة، كما قال خامس الخلفاء المشهور: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وقال بعض أئمة الأنام، لا بأس بالحيل المتوصل بها لبلوغ المرام، وتؤخذ السياسة والحيل، من كل عارف من جميع الملل، متضمنا أن التفات الأمير للرعية، يحصل ما تكون به أحوال إيالته مرضية، مفصحا عما عليه الدول العظام، وما حصل للمتأخر منهم من القوة بحسن التدبير والاهتمام، فمن تأمل في كتابك، وما يعطيه صرح خطابك، وجده من الشوائب خالصا، وعلى ما يحصل به قوة الأمير والمأمور حارصا، دلت عليه النقول، وشهدت بصحة ما تضمنه رواجح العقول، فلله درك من إنسان، مهدت مناهج العدل والإحسان، فأغنيت بعد الفقر، وأنتجت بعد العقر، فما أنت في هذه الأيام إلا شمس ضحاها، وقطب رحاها، وبدر تمامها ، وغيث غمامها، مدت عليك السعادة رواقها، وشدت بك السياسة نطاقها، وزانت بمآثرك هذه العمالة أعناقها، فما أنت إلا رجل العالم، وملاذ الجاهل والعالم، نسأل الله أن يجعل ما ألفته نافعا، وعلى موضع الأدواء واقعا، بإسعاد ولي نعمنا المولى المشير، ومن له الحظ الوافر في التدبير، لا زال عزه المتزايد، محفوظا من كل خادع وحاسد، ولو بسطت محاسن كتابك، لضاق الطرس عما حواه من نصحك وآدابك؛ فلقد فقت الأوائل، بما جمعته من شتيت الفضائل، ورحم الله شمس المعارف في كل النواحي، العارف بربه سيدي إبراهيم الرياحي، حيث رد على من قال في شيخه أنه متأخر كيف يفوق المتقدم بمنظومة منها:

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٦١