ومنها ما شنف به الآذان، وأرشف من كئوسه الأذهان، حجة فضل القلم على السيف، والقاطع بالحجج دابر الانحراف والحيف، من عرى عهده لا تحل، وفكاهة مجلسه لا تمل، كيف لا وله في رياض الأدب المنهل العذيبي، جناب أبي الحسن الشيخ سيدي علي الطويبي قاضي جبل المنار وإمامه، لا زال مفاض فضل الله وإنعامه، ونصه:
الحمد لله المتفضل على جميع العباد، بما شاء وأراد، وما هو نافع لهم يوم المعاد، الذي جعل العقل أجل خصال بني آدم، وبه يتوصل إلى الكمالات التي لا تعارض ولا تصادم، كالسياسات في المعاملات والصناعات والعلوم النافعة، النافية للجهل المدافعة، التي هي زينة الإنسان، وتمييزه عن سائر الحيوان، وانفراده بالعز والسؤدد في كل وقت وأوان، بحيث لو صور العلم لأضاء معه الليل الداج، ولو صور الجهل لأظلم معه النير الأعظم ونور أضواء سراج، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، الآمر بالعدل والعفو والإحسان، وعلى آله وأصحابه السالكين على طريقه ومنهاجه، والمتضافرين على تنوير دينه وإذكاء سراجه، القائمين على ساق الجد في نصيحة الأمة، بما يزيحهم عن المهالك المدلهمة. وبعد؛ فلما شاع وذاع، وقرع الآذان والأسماع، صيت التاريخ المسمى بأقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك، وتداولته الأيدي بالنظر فيه والانتفاع، وعم النفع به في المحافل ومحال الاجتماع، وأجمعت العقلاء على حسنه وإبداعه، وجلالته في الحكم واختراعه، وسلمه كل عالم نبيل، وانقاد له بالتقرير والتفهيم كل جاهل ذليل، وأثنوا عليه الثناء الجميل، وقرظوه التقاريظ الحسان، ومدحوه بالبنان واللسان، وإنه لجدير بذلك، لسلوكه أقوم المسالك، وعلمت به مزية منافع الأقلام، المشاهدة في كل زمان على الدوام، وإنها لأوضح من الشمس في رابعة النهار، وهي اقتناص الدرر النفيسة من لجج الأفكار، وتخليدها في أصونة الدفاتر للعظة والانتفاع والاعتبار، ولولاه ما علم خبر العالم من مبدئه إلى منتهاه، ولقد أجاد من قال:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت خوفه الأمم
بذا قضى الله للأقلام إذ بريت
أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
ولآخر:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم
وعدوه مما يجلب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة
مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وأقسم الله بالدواة والقلم لكثرة منافعهما، وعظم فوائدهما، فإن التفاهم بالنطق والبيان، إنما يكون بين إنسان وإنسان، وأما بالنسبة لمن غاب وبعد، أو من أهل الزمان الآتي فإنما يكون بالكتابة ولا بد. وقد قالوا البيان اثنان، بيان لسان وبيان بنان، ومن فضل بيان البنان، أن ما تثبته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعدام، وإن قوام أمور الدين والدنيا بالسيف والقلم، والسيف تحت القلم، ولولا القلم ما قام دين، ولا صلح عيش جميع العالمين.
وقد ثبت هذا التاريخ وإنشاؤه لصاحب القلم الفصيح، والتقرير المحرر الصريح الصحيح، البارع الأجل، والحجة الحافظ لكل نادرة ومثل، تاج الزمان وإكليله، والمقصور عليه سياسته وتأصيله، الجامع من المحاسن ما تكل عن حصرها الأقلام، ولا يفي بعدها ذوو العقول والأفهام، مع الأخلاق البهية، والمكارم الجبلية، فخر الدولة الحسينية، ونخبة الحضرة التونسية، المعتمد في تقرير نصائحه على مالك يوم الدين، الهمام الأفخم أمير الأمراء سيدي خير الدين، كان الله له، وأثابه فيما أسسه وعمله، فتاقت النفس إلى رؤياه، والنظر فيما حواه، من الفوائد الرائقة ومعناه ، فسعيت في تحصيله جهدي، وأن أجعله وظيفتي ووردي، وأتخذه عدتي وجندي، فلما ظفرت به بالإهداء من نجباء أحبابي، وممن اصطفيته وانتخبته من أصحابي، واتصلت به اتصال المحب بمحبوبه، والراغب الطالب لمرغوبه، انكببت على النظر فيه، وأمعنت فكري فيما يحويه، فإذا هو ذلك التاريخ الذي لا تاريخ يحاكيه، ولا تأليف في حال الوقت يدانيه، وإن شئت قلت فيه هو صوان الحكمة، أو قوانين التربية والتعليم، أو خلاصة زبدة السياسة والرياسة، بل ومن أي جهة من المعارف قصدته وجدته فيه بحرا زاخرا مدد موج معانيه لا ينتهي، ودرر لججه العميقة لا تنفد ولا تنقضي، كيف لا وهو لب اللباب، حكمة وبلاغة يقصر عن الوصول إليها أولو الألباب!