ومنها ما جادت به قريحة القدوة البارع، ومن بيده زمام الكتابة بلا منازع، مطلع شموس المعارف، وملمع بروق الأسرار واللطائف، ذي القلم البليغ، والفكر الذي عن مهيع الحق لا يزيغ، المرتجي فضل ذي الجود والمنن، جناب الشيخ الأبر سيدي الحاج حموده بو سن، أحد أعيان كتبة الدولة التونسيه، لا زالت برعاية الله محميه، ونصه:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، أيها الهمام الفاضل، والنحرير الكامل، ذو اللب القوي المتين، أمير الأمراء سيدي خير الدين، حرس الله كماله وأنمى إلى شرف البدر هلاله، آمين. أما بعد أشرف سلام، مؤد بالوفاء حقوق ذلك المقام، فإن تأليفكم البديع المسمى بأقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك، قد ورد على ورود المحبوب على العاشق الولهان، أو الزلال العذب على كبد الظمآن، يعبق منه شذى الوداد، وحسن الاعتقاد، فتمتعت بمنظره، وابتهجت بمعناه ومخبره، وتحققت أيها الفاضل أنك قد أطلعته في سماء المعارف نيرا أعظما، كسفت به من التآليف بدورا وأنجما، وسبقت به في الفضل أجيالا وأمما، وخلدته لسالكي سبل العمران منهلا عذبا وعلما، وأشرقت به آفاق الجهل الحوالك، وأوضحت به أحوال الملك والممالك، وبينت به الطرق والمسالك، مرشدا للمناجي ومحذرا من المهالك، وفتحت به للنجاح والفلاح قلوبا وأبصارا، وجعلت له من البراهين القطعية الشرعية والعقلية جنودا وأنصارا، فلا يسع أحدا من الخلق رده وإنكاره، كيف وقد أسس على هذين القطبين ابتكاره، وكان في فلك العدل والعمران مركزه ومداره، وفي أفئدة ذوي الألباب وأرواحهم مسكنه وقراره، وحينئذ فمن كان من نوع بني آدم سالكا هذا المنهج فهو في الدنيا في حصن منيع، وعيش رغد وغيث مريع، رائق في دنياه، محصل على غاية قصده منها ومناه، وأما حاله في أخراه، فهو تابع لسيرته وسريرته مع الله، وحسبنا سيدي في شكر هذه المكرمة لجنابكم الرفيع، أن نبتهل إلى الله سبحانه في أن يطيل حياتكم في عز منيع، وقدر شامخ رفيع، وأن يديم بفضله حلولكم في ودائعه التي لا تخيب ولا تضيع، آمين. وكتبه المخلص في حبكم، بشهادة قلبكم، الفقير إلى ربه الحاج حمودة بو سن في أوائل صفر الخير سنة 1285.
ومنها ما للماجد الأريب، الأنجب الأديب، سابي أبكار المعاني بسيوف أقلامه، وساحر الألباب بلطائف موجز كلامه، الفقيه النبيه، الخلاصة النزيه، ذي الرأي الأرشد، والصنع الأحمد، أبي العباس الشيخ سيدي أحمد الأصرم، لا زال بكل خير يجازى ويكرم، ونصه:
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، المقام الذي سلك مسالك التحقيق، وشرح بآرائه السديدة غوامض أحوال الممالك بوجه طليق، وأزال عنها براقعها، وساس بنباهته سوابقها، ورصع سماء العدل بكواكب إنصافه، وأطلع بدر نصيحته في أفق هاته الأمة المشرفة ليجمع ما تبدد من مصالح العمران وأسبابه، لا زال بحول الله من الآمنين، الهمام المفخم أمير الأمراء سيدي خير الدين، بلغه الله ما يتمناه في الدارين، أما بعد؛ سلام أنور من إجراء العدل على المظلوم، وأسر من سرور الظافر بعد الأياس بما يروم، تعمكم نفحاته، ورحمة الله وبركاته . فقد وصلني كتابكم النفيس، بل نصائحكم المؤسسة على السياسة بأحسن تأسيس، المسمى بأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، فأجلت جواد فكري في ميدان سطوره، والتقطت من بحوره نفائس منثوره، فوجدته محتويا على علوم جمة، وتقارير معقولة ومنقولة مهمة، لو تليت على الحيوانات لانقادت لبرهان تلك الآيات، ولقد صادفت في مرض هذا الزمان محل الألم، وحزت السبق فيما أبديته على ذوي الهمم، وفيه شرحتم أحوال الغير بأحسن تقرير، يعجز عن الاطلاع عليه الحاذق البصير، وتوجت هذا القطر بصنيعكم هذا بين الأمم، لا زالت بالثناء الجميل على رياض محاسنكم تهطل الديم، هذا ونرجو من الكريم الجواد، أن يجعل صلاح هاته الأمة بنصيحتكم في الازدياد، وربنا يبقيكم، ومن السوء يقيكم، ودمتم كما رمتم، والسلام من ابنكم أحمد بن محمد الأصرم عفي عنه آمين. وكتب في 5 صفر الخير سنة 1285.