ومنها ما نفث به قلم الفاضل العمده، ومن أعلنت المروءة بأن لا عطر لها بعده، إذ لا أرسخ على صراط العلوم من قدم ملكته، ولا أثبت على حروف التورع من سكونه وحركته، مع صفاء سريره، وحسن عهد وسيره، حتى استوى في مودته القاصي والداني، فلا يذكر في ندي إلا وكل لعنان الثناء إليه ثاني، ألا وهو الشيخ المدرس أبو العباس سيدي أحمد الورتتاني حرس الله مجده، ونفعنا بما أودع عنده، ونصه:
الحمد لله الذي جعل العلوم مناهل موروده، يردها عللا بعد نهل كل ذي نفس زكية مودوده، وخص كل نوع منها بطائفة من الحملة معدوده، توديه لمن بعدها عن الطائفة المفقوده، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد صاحب الشريعة المحموده، التي هي أم الشرائع بما حوته من عظيم منافع الدنيا والأخرى الآجلة والمنقوده، وعلى آله وأصحابه الذين شادوها ووقفوا عند حدودها المحدوده، صلاة وسلاما دائمين نجدهما من الأعمال المقبولة لا المردوده.
وبعد؛ فإن من أجل العلوم، لا سيما في هذا الوقت الصعب المذموم، علم السياسة الشرعيه، المنوط بقواعد الشريعة الزكية وأصولها المرعيه، وذلك لما آل إليه أمر هذا الزمان، من اختصاص شئون الحروب بالأفكار والأذهان، حتى إن ما يرى من مخترع الآلات، إنما المقصد به إرهاب الضد فهو إذن ضرب من السياسات؛ فلذلك لا يرى مستعملا فيما وضع له إلا قليلا، بتقصير أحد الضدين في سياسته فيوجد على نفسه سبيلا، وإن من أحفل ما صنف فيه، ورمقه بعين الرضا الخامل والنبيه، كتاب «أقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك»، تأليف جناب فخر الوزراء ذي الرأي الرصين، أمير الأمراء سيدي خير الدين، فإنه كتاب أبان فيه مؤلفه عن باع في السياسة مديد، ورأي بذ به جمع الآراء وهو فريد، حيث نهج فيه لسياسة الوقت الصعبة طريقا، يأمن السالك به من المخاوف وإن لم يصحب رفيقا، وذلك بمراعاة حال الوقت من غير خروج عن حدود الشريعه، وما تقتضيه أصولها ولا تنافيه فروعها البديعه، وشرح فيه حال الأجنبي وما له من التراتيب والسير، التي أنتجت له السطوة المشاهدة والظفر، حتى إن الناظر فيه، المتأمل فيما يحويه، كأنه يشاهد على التفصيل حال الغير، بدون ضرب في الأرض ولا سير، كل ذلك ليتنبه من كان من أولي الأبصار بأحوال الوقت جاهلا، ويتبصر في الطرق التي بها على التدريج نبه من كان خاملا، عسى أن تجتمع للإسلام كلمته، فتعود إليه شوكته وسطوته، هذا إلى ما ضمنه من تعريف الأجانب بحال شريعتنا، المبرأة مما كانوا ينسبونه إليها من سوء سيرتنا، ولا شك أن هذا الاعتقاد ما دام مركوزا في أذهانهم، يحملهم على اهتضامها والمبالغة في صد من يريد الدخول فيها من أهل أديانهم. وعلى الجملة فهو كتاب يحق لمؤلفه أن ينشد، من غير أن ينكر عليه منكر أو يجحد:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل
فلقد تجافى فيه كل التجافي عن بنيات الطريق، وتلطف كل التلطف في التقصي عن كل حزن ومضيق، فما رآه منصف إلا ارتضاه وأجازه، ووصفه بالرفل في حلل الإجادة والوجازه؛ فلذا كانت كتائب التقاريظ تترى عليه عشيا وبكورا، تذيع من نشر الثناء عليه في الآفاق مسكا وكافورا، والمأمول من كرم الله بصدق نية المؤلف، أن يجمع به شتيت آراء الإسلام على طريقة نافعة ويؤلف. هذا وكأني بمن يجهل أحوال الوقت وما يدريها، يقول: ما لنا وللبحث عن أحوال الأجانب والتداخل فيها؟! فهذا إن اطلع على ما في هذا الكتاب ورواه، حتى فهم ما تضمنه منطوقه وفحواه، فليس الكلام معه بعد ذلك صوابا، بل هو عند العقلاء مما يعد عذابا، وإن لم يطلع عليه، فجوابه المقنع المسدى إليه، قول أبي الطيب، للائم المؤنب:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها
ثم إن الداعي لي أيها الشهم الهمام المفضال، مع أني لست من فرسان ولا رجال هذا المجال، إلى رقم هاته الأحرف القليله، الصادرة عن فتور الهمة الكليله، تكثير سواد الراغبين فيه ولو بمثل العبد الفقير، وإلا فلست ممن يعد في العير ولا في النفير، والله يبقيكم، ومن عامة الأسواء يقيكم. وكتبه عبد ودكم، الناهل من صافي وردكم، أحمد الورتتاني، بلغه الله من الخير الأماني في 1 صفر الخير سنة 1285.