ومنها ما حرره النحرير اللوذعي، الجهبذ اليلمعي، المحرز في ميادين البراعه، قصبات سبق منها اشتق يراعه، الفقيه النعماني، والأصولي البياني، مجمع حديث التهذيب قديم العرفان، أبو النخبة الشيخ سيدي مصطفى رضوان، أحد المدرسين بجامع الزيتونه، لا زال أمثاله ببث فنون المعارف يعمرونه. ونصه:
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم حيا الله الجناب الذي محض للأمة الإسلامية النصيحه، ودافع عن حوزتها بالحجج القاطعة والبراهين الصحيحه، وأزال عنها الشبه بالأقوال المعتمدة والنصوص الصريحه، ونهج لها سياسة هي من تبعة الله وتبعة العباد مريحه، وأرشدها لجمع الآراء لتكون في عداد الجموع الصحيحه، وتاجر الله بهذا الصنع لتكون له التجارة الربيحه، جناب الهمام المفخم العمدة المكين، عين إنسان الكمال وإنسان العين، أمير الأمراء سيدي خير الدين ، لا زال آخذا راية الإحسان باليمين، طائر الصيت مع الطير الميامين. أما بعد؛ فقد وصلتني - واصل الله أسباب نجاحك، وأسمع القلوب داعي فلاحك - الشذرة التي نجز طبعها من كتاب «أقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك»، الذي خاطركم المصيب أبو عذره، ومطلع هلاله وبدره، فأردت أن يصدقكم مقالي فيه سن بكره، ويؤدي لكم عني واجب شكره، وما أنا ممن يلز مع البزل في قرن، أو يضرب من الإجادة بعطن، لولا مكافأة المنن التي قلدتها لسائر أبناء الوطن، فتربصت ريثما تفتق عن الزهر كمائمه، ثم وقفت به وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه، أغوص على مكنونه، وأستنبط معينه من عيونه، وأستثير مخبآته من غضونه، وأقتطف داني قطوفه من غصونه.
تكاثرت الظباء على زياد
فما يدري زياد ما يصيد
فلله أنت في إيراده وإصداره، وعبره واعتباره! فقد عبرت ديوان العبر، ونسخت منه حكم المبتدأ والخبر، اعتبارا بتبدل العصور، ونعيا على تلك السياسة بالقصور.
فكان وقد أفاد بك الأماني
كمن أهدى الشفاء إلى العليل
ثم إنا إذا أعدنا فيه النظر، وجدناه باكورة فن مبتكر، عزيزا منحاه، على قطب المصالح تدور رحاه، إذ هو وإن اختلفت أصوله، وتنوعت أجناسه وفصوله، يرجع إلى أصلين؛ حفظ العدل بسياج الاحتساب والمشوره، وتخريج الأحكام السياسية على قاعدتي جلب المصلحة ودفع الضروره، بتنزيل رجال ينظرون بعينين، ويلاحظون في آن واحد مصلحتي الدنيا والدين، ولعمري إن هذا لمنزع غريب، وحق ما فيه ريب، إذ كان هذا المقدار، مما يشهد له الشرع بالاعتبار، وقواعده المدونة هي المحور لهذا المدار، نعم إن تحقق المناط هو معترك الأنظار، ولقد كشفت عنه اللبس بما هو أجلى من الشمس في رابعة النهار، وخليق لهذا الموضوع أن يكون علما مدونا، وباسمكم معنونا، تأصل أصوله وتستخرج فروعه، حتى تتحقق غايته ويعرف موضوعه، ويكون دستور العمل، في سياسة الدول، فشأن العلوم أن تكمل بتلاحق الأفكار، وتعاقب الأنظار، وتعاهد غرسها إلى زمن الإثمار.
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا
لم يهدموا لبنائهم أسسا
ولنعد لذكر الكتاب، ونشر حديثه المستطاب، فنقول : إنه عمل من طب لمن حب، ووضع للهناء موضع النقب. هذا مجمل القول فيه، ورضا كرام العشيرة يكفيه، حيث إجازته الملوك الكرام، ونسجت على منواله السلاطين العظام، وقرظته حملة السيوف والأقلام، وشهدت بصحة براهينه حوادث الأيام.
وليس يصح في الأذهان شيء
متى احتاج النهار إلى دليل
وحيث عقلنا من المؤلف قوله، وعرفنا ما يدندن حوله، يسرنا أن يتمثل مجيبا، لمن تشكك من أهل أوروبا، بما قيل.
وأعلنت نصحي بين قومي ولم أقل
ألا ليت قومي يفقهون حديثي
ليعلموا أن النور الذي اقتبسوا منه، والجنس الذي أخذوا عنه، لم ينطف مصباحه، ولا نسخ بالظلام صباحه، وستندمل بلطف الله جراحه، وتهب بعد السكون رياحه، والله يحقق الأمل، ويصلح القول والعمل، وهو المسئول أن ينجح مساعيكم ويوفر في الخير دواعيكم، والسلام ممن نبه قصوره على قدره، وأخلص لكم في سره وجهره، مصطفى رضوان. وكتب في صفر الخير سنة 1285.