تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد؛ فإني أهدي من عطر السلام والتحية، أضوع النفحات الزهرية، وأرفع التعظيمات الذاتية، وأخلص التقربات الودادية، إلى حضرة فخر هذا القرن، الأبية شمائله أن يلفى له في ميادين الكمال قرن، الناصح الأمين، أمير الأمراء سيدي خير الدين، لا زالت أيادي أفكاره تطوق العقول بقلائد الإفادة، وجواهر عقوله تفيض على البرايا مبتكرات النصائح في حلل الإجادة، وأعلمه لا زال عالي العلوم، مشيدا من القواعد السياسية مندرس الرسوم، إنه قد وصل ما أنجزه الطبع، وجذبه لي مغناطيس الاكتساب والطبع، من كتاب «أقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك»، ونور إنصافه يسطر عليه عنوان الحلل السندسية، المكسوة بها لباس الفخر الأقاليم التونسية، فأجلت النظر في كنوزه الفاخرة، وتقاريره الساحرة، وروقت الطرف في رياضه، وكرعت من نهل حياضه، ودرجت الفكر في شامخ حصونه، وتنورت بما بدا لي من إفادات مكنونه، فإذا هو للملة الإسلامية الضالة المنشودة، والذخيرة المفقودة، والظلال الممدودة، والنعم المحدودة، والحياض المورودة، والعزائم المشدودة، والمآثر المعدودة، والكعبة المقصودة، والآراء المنضودة. كيف لا وقد حض على ما أمر الله به، وحث على ما يجب التمسك بسببه، وأنهض عزائم علماء الإسلام، لنشر ما أودعوه في صدورهم من العلوم والأحكام، مع علمهم أن لا مساغ لكتمانها عند ذوي الأحلام، والرسول يقول من كتم علما ألجمه الله من النار بلجام! وبين الهيع الذي به تحصل الاستقامة، وأوضح المنهج المسلوك لطرق السلامة، من ترك التضييق المفضي إلى المفسدة التي هي ضد المقصود من الشريعة، وإعمال الجهد في استخراج أحكام المصالح من أسرارها البديعة، بما لا يقال فيه ابتداع، خارج عن حكم الإجماع وإنما هو تطبيق للكائنات على كلياتها، واستحصال للمصالح التي هي أعظم مهماتها، فلو رأته العلماء الحنفية، لأعلنوا أن لا مقصد لهم سوى ذلك بالحيل الشرعية، ودليل ذلك ما بينوه في إساغة البيوع الوفائية، وعضدتهم على ذلك معاشر المالكية، وقال ترجمانهم الشاطبي هذا الذي عنيته، من استصحاب المصالح المرسلة وفي موافقاتي طويته، إذ الشريعة لا محالة باقية، ولأصولها واقية.

وقد جرت عادة الله في عباده، باختلاف عوائدهم ومنافعهم على حسب مشيئته ومراده، فلزم أن تكون أحكام كل جيل على قدر استعداده، وهي الحكمة البالغة في نسخ الشرائع، وبقاء خاتمتها لاشتمالها على كل حكم على ممر الدهور شائع.

إن التي جمعت كمال مصالح الد

ارين ويك شريعة العدنان

ما شذ عنها حكم حال يعتري

جيلا ولا حينا من الأحيان

فكأن كل شريعة من قبلها

في صلبها صنو من الصنوان

يشبهن حال فروعها من بعد في

تبع لعادات وحكم زمان

فالنسخ في هاتيك كالعمل الذي

فيها مع الحالات ذو دوران

أو لو طلع به البشير على ابن قيم الجوزية، لأعلن بالشكر على بلوغ الأمنية، وقال فما وراء هذا من سياسات شرعية. أو لو رآه ابن خلدون، لأقر بقصور نظره عما شاهده من حال العصائب وإن كان وراء ذلك ما هم عنه غافلون، من اكتساب العلوم والفنون، ولزمه أن يعلن بيا أيها الناس هذه السياسة التي عليها تعولون، لأن ما اعتبرته وإن كان ركنا عظيما، واغتنامه غنما كريما، غير أن منافعه قاصرة على ذوي الملك وأتباعه، لا يفيد معرفة اكتساب خير الأمة على العموم وما تتراجع به لعز نخوتها وارتفاعه، سيما مع خروج الأمر من جنس إلى جنس، وتطاول ذي اليد بما يتمنى معه مضاجعة الرمس، مع الجهل بلغاته وعوائده، الموجب للنفرة والتباعد ولو عن فوائده، فمن أين لي بالإفصاح عن هاته المنافع؟ أو كيف لي أن أدعي فيها بالمقارع؟ أو كيف أطيق ملاجة الأجانب، بإلزام الدخول تحت ما لنا من الحكم الصائب، ودفع احتجاجاتهم عن ذلك بما تذعن لأدلته ذوو المناقب؟

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٥٤