ومنها ما للفاضل النحرير، ومن ليس له في أقرانه نظير، نخبة أولي الفضل الأماجد، ومن أقر بنبله الأقارب والأباعد، مفترع أبكار العلوم على اختلاف أنواعها، والضارب بسهم مع كل شيعة من أشياعها، سيبويه زمانه فأين ابن الحاجب، الشيخ أبي النجاة سيدي سالم بو حاجب، وهو من الطبقة العليا من مدرسي المالكيه، بجامع الزيتونة أبقى الله مهجته الزكيه، ونصه:
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم. أما بعد إهداء لائق التحية، برفعة سدة السيادة الخيرية الدينية، صانها الله، فقد اطلعت - لا زال الله يطلعنا بكم على كل مأثرة تفوق الحدس، ومصلحة تعم سائر الجنس - على ما نجز طبعه من كتاب «أقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك»، فشاهدت منه وإن لم أكن من فرسان مجاله، أساسا سياسيا لم تسمح قريحة بمثاله، بيد أنه لم يسبق إلى التأليف في غرضه أحد من علماء الإسلام، ولا استودعت لطائف مقاصده بشيء من صحائف الأعلام. فكل من يتصفحه بعين الإنصاف، لا يشك في أنه ينبوع نصح صاف، نبع للأمة الإسلامية عند اشتداد ظمئها لمثله، واحتياجها لتقوم أودها باتباع قوله، فبمثله تخصب مراعيها، وتنجح في هذا الزمان مساعيها، وأي شيء أنجح لها من استحصال السعادة الدنيويه، بأعمال شريعتها الكافل بسعادتها الأخرويه، فيا له من مجموع أبدع فيه جامعه، حتى تاه في بيداء حسنه مطالعه، فتارة يشبهه بسياج حافظ لحقوق الأمة، وأخرى بسراج يضيء حنادس السياسة المدلهمة، وتارة بمنهل سهل سبيله، منساب من مجاري الغيرة والعرفان سلسبيله، وتارة ببدر يزيح ظلمات المظالم، معوذة أشعته من حيلولة الغمائم ، وتارة بمرآة تبدو بها تماثيل العواقب، مجلوة بأدلة العقل والتجارب، وتارة بطبيب عارف بأمراض الدول، خبير بجبر ما يعرض لها من التوهين والخلل، ومن فوائده التي بمثلها يتفاخر، تعريف كل منا والأجنبي بحال الآخر، إذ لولا معرفتنا بحاله، ما أمكن الاستعداد لنزاله، والنسج في تحصيل أسباب المقاومة على منواله.
ولولا معرفته بحالنا، وأن شريعتنا لائقة بسائر أجيالنا، ما أمكن رجوعه إلى تصويب أحكامنا، بعد أن كان يعدها من سفه أحلامنا. وبالجملة فنتائج الكتاب لا تحصى، ومصالحه العائدة على أمة الإسلام لا تستقصى، كيف لا ومصدره فؤاد مشحون بحب الوطن، مقرون بالنصح كل ما ظهر منه وبطن! جدير بأن ينشد صاحبه، وإن نأى عن مواقف الافتخار جانبه.
يكدر صفو عيشي هون قومي
ولو كان اعتزازي في ازدياد
ولا أرضى بأن يهمي بأرضي
سحاب لا يطوف على بلاد
إلى غير ذلك مما لا يسعه نطاق المقال، من سجايا المجد وصفات الكمال. كتبه عبد ودكم سالم بو حاجب في 14 المحرم سنة 1285.
ومنها ما للنجيب الأريب، والنسيب الحسيب، سلالة الأخيار، من علا صيتهم في الأكوان وطار، فمزيتهم على الديار التونسية لا تنكر، بل هي من النار على علم أشهر، البيارمة المستشهد بكلام أولهم في مقدمة هذا الكتاب، ومن يرجى أن يكون هذا الفاضل المترجم خامسهم في الحساب، ألا وهو الماجد الأكمل، أبو عبد الله الشيخ سيدي محمد بيرم ابن الأفضل فالأفضل إلى الأول، وهو من مدرسي الحنفية بثاني طبقة، أبقى الله صحائف ثنائه أريجة عبقة، ونصه:
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم. اللهم إنا نحمدك أن أشرقت في هاته الأمة شموس المعارف والعلوم، وأرشدت أفكار أهلها بتأييدك لاقتطاف ثمار الفهوم، فكانت قدوة لسائر الأمم في التقدم بها يقتدون، وعلى منوال عدلها ينسجون، كيف لا ومحكم أساسها الحكيم البصير، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟! ونصلي ونسلم على طلعة الشرف الأعظم، الباث للشريعة بالميزان الأقوم، حتى غدت إكليل نور ساطع على جباه الدهور، وإن اختلفت المعالم لاختلاف العوائد على حسب الاقتضاء والميسور، محمد هادي الأنام، وعلى آله وأصحابه الكرام، القائمين في تهذيب الأمة على أعدل صراط مستقيم، الباذلين وسعهم في حمل الخلائق على سعادتهم بامتثال القرآن الكريم.