تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو لو اطلع عليه الطرطوشي بعد إنجاز سياسات ملوكه، لخجل من دبيبه بهذا النهج وسلوكه؛ إذ قصاراه الإعلام بما يلزم الملك من الفخامة، وبعض حكم ترشده إلى الاستقامة، بيد أنه يتهلل وجهه سرورا، وينال حظا موفورا، بموافقته في الإرشاد ، إلى ما يجب علمه لأبناء الملوك والوزراء من العلوم التي عليها الاعتماد. أو لو أساغ الاطلاع عليه الإمكان إلى الإمبراطور شارلمان، فاتح باب التمدن بتلك الممالك والأوطان، لاتخذه هجيراه في صباحه ومسائه، وكفاه حمل عبء تلك الجماعات وعنائه.

وعلى الجملة فقد أعجزني وصفه وإن أطنبت مقالي، وما عسى أن يقال في الجواهر واللآلي! وأوقعني في حيرة أوجبت لي العجز عن تعداد نعمه، وبأي فائدة أبتدئ من مناقب كرمه؟ أبفتح بصائر أهل الإسلام، بعلم الأسباب الباعثة على تقلب العز في الأنام، أم بإنهاض حمية أهل السياسة والعلماء لاقتناص شوارد النعمى، وإرجاع سطوة الملة العظمى، أم بنشر فضائل هذا الدين العظيم، لدى الأمم الأوروبوية التائهة في مجال التمدن المدعية لها وجوب التقديم، حتى تخضع لحكمه وحسن نظم العدل في إراداته، وتندفع أوهام الأمم الشاسعة عن الإذعان لكمالاته، إلى غير ذلك مما لا أطيق إحصاءه، وأرجو من الله إنجازه وإبقاءه. فلعمري إنها لحيرة توجب التعجيز، ولا يفي ببيانها البليغ بمقاله المطنب فضلا عن الوجيز.

والذي أراه الآن واجبا، ومن نحاه كان صائبا، أن أشكر أياديك بقدر الاستطاعه، وأعترف أنك من ما صدقات قول الصادق البالغ النهاية في الإشاعة: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة»، لا غرو وأنت المتحلي بكمال الدراية في مهمات المسالك، فرحم الله الإمام النقادة ابن مالك، حيث يقول في طالعه تسهيله، إعلاما بما للقادر المختار من العناية بتكريم العبد وتفضيله: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين.

فنرجو الله أن يبقيك ذخرا

فما لك في البرية من نظير

كتبه المحب الداعي، المعظم لقدركم المراعي، محمد بيرم في 14 المحرم الحرام سنة 1285.

ومنها ما لنخبة أولي النهى والألباب، المكتسي من حلل الشرف والعلم بأبهى جلباب، ذي الهمة العليا، والنفس الأبية الراغبة في العليا، الكاهية بالمجلس البلدي، ومن لآرائه يرجع المعاند وبها يقتدي، أبي عبد الله سيدي محمد العربي زروق، لا زالت نفسه إلى المعالي تتوق ، ونصه:

الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم فخر الوزراء النقاد، وعمدة الساعين إلى سبل السداد، محرز أدوات السيادة، والجاري إلى الغايات في ميادين المجادة، الهمام المفخم أمير الأمراء سيد خير الدين أدام الله مجده، ووالى عليه نعمه ورفده، آمين. أما بعد؛ فقد بلغنا تأليفكم الموسوم بأقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك، وتصفحنا ما تضمنه من الأبواب، الحاملة لمن اطلع عليها على غاية الاستحسان والإعجاب، فإنه قد حوى من تفاصيل أحوال الدول، وأنباء ما حصل للمشاهد منها الآن وما كانت عليه الأول، ما تقر به عين الحريص على التمسك بأسباب العمران، وتنبعث به الهمم على سلوك الطرق الموصلة إليه دون توان، على وجه لا يأباه الشرع العزيز بل يقتضيه، ويرغب في استجلابه ويحض عليه. وبالجملة فإنه كتاب يتغالى في اقتنائه المحب للوطن، ويقع من النفوس الأبية الموقع الحسن، ويشهد لمؤلفه بأنه ممن سلك طرق الإجادة، وبالغ لأهل وطنه في النصح والإفادة، والله جل جلاله الكفيل بمكافأته، والمتولي رعيه بعين عنايته في جميع حالاته. والسلام من معظم قدركم محمد العربي زروق. وكتب في المحرم الحرام سنة 1285.

ومنها ما لخلاصة أهل الفضل، وصدر ذوي الوجاهة والنبل، العالم الأديب، من لا يخالف في كماله لبيب، كيف لا وهو الآخذ من كل فن أوفر نصيب، مع صدق وثبات تضمنهما اسمه، فتطابق الموسوم ووسمه، الشيخ أبو عبد الله سيد محمد الصادق ثابت، أفحم الله به كل عدو كابت، ونصه:

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٥٥