تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلئن سبقتم بالتأليف في إحياء علوم الدين، فقد فزتم بإحياء علوم الدارين، أو أحوال العمران والمعمور، فقد مننتم بجمع ما تقدم وما تأخر في العصور، ونبهتم من الهمم ما لو نبه به الجماد، لاستفاد وأفاد، أو خوطب به الصم البكم، لأذعنت للحق وانقادت للحكم، فليت الكواكب تدنو لي فأنظمها في تقريظه عقودا، أو الكواعب ترنو لي فتعيرني سحر ألحاظها ودر ألفاظها فأصوغها لهامته إكليلا معقودا. وأقول بعد تأكيد اليمين، لقد أخذت راية الإحسان باليمين، وحق لك أن تلقب بخير الدنيا والدين، جريا على سنن الأمم السالفين، في زيادة الألقاب عند زيادة تبريز السابقين، وأن تفتخر بجلالكم الحضرة والإياله، على كل من هز في مثل غرضكم يراعه وعساله، وأوقد فكره وأذكى ذباله. فهنيئا بما أوتيتم من كمال قصر عن بعضه الأنداد والأضداد، وجميل خلال تلعثم لسان اليراع في سواد المداد، وجزيتم على ما أبديتم للعيان من وجوه النصيحه، بالأدلة الشرعية والبراهين العقلية الصحيحه، جزاء لا ينفد مدده، ولا تنقضي مدده، حتى يبقى جميل ذكركم في الأقطار والممالك، أوضح من شمس النهار وأشهر من أقوم المسالك. والسلام العاطر البدء والختام من خامد الفكر خامل الذكر معظم قدركم المحب محمد الباجي المسعودي ستر الله تقصيره المستفيض، ولا أخجله حين تزدحم بأبوابكم جواهر الثناء في عقود التقريظ. وكتب في السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة 1284.

ومنها ما للعلامة الدراكه، من قدم الفضلاء في حل المشكلات إداركه، الفائق أقرانه بلا ريب، المنزهة فهومه من كل وصمة وعيب، الفذ الذي ليس له نظير، المحقق النقادة البصير، الشيخ سيدي أحمد كريم أحد المفتين، من المشائخ الحنفية المرضيين، ونصه:

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، علمه البيان، وفتح له أبواب التبيان، وهداه بالعقل السديد والكتاب المجيد، إلى طريق الرشاد، ومعرفة حكمة هذا الإيجاد، المبني على أساس العدل والإحسان، المقتضيين لتمام التمدن والعمران، على الوجه المحكم، والطريق الأقوم الأسلم. وبعد؛ فإنه لما وافاني كتاب «أقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك»، تأليف العالم العلامة النحرير، الجامع بين أسرار التنزيل وتحبير التحرير، أمير الأمراء السيد خير الدين لا زال منبعا للعلوم والمفاخر، ومفخرا للأوائل والأواخر، أجلت فيه نظري، وصرفت فيه بعضا من عمري، وتدبرت في معانيه، وفي مقاصده ومبانيه، فإذا هو كتاب جزل، وكلام فصل، وما هو بالهزل، حيث كان أساسه الحض على العدل الذي من نتائجه ما صرح به صاحب الكتاب، ولهجت به أولو المعارف والألباب، ودون إحصائها تكل الأقدام، ويضيق عن حصرها واسع الكلام، مع ما تضمنه من ضبط أحوال الممالك، وبيان أسباب التقدم للسالك، وتأخر من هو في المهالك هالك، بلفظ وجيز، وتحرير عزيز، وأسلوب لم يسبق إليه، ومنوال لم ينسج ناسج عليه، فبأسلوبه العجيب، يحرك ساكن الماهر اللبيب، حين يضرب أخماسه في أسداسه، ويرى بيد الغير ثمار غراسه، ثم يقول يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم عرض لي عارض الشك والريب، لقولهم: ما سلمت مليحة من عيب، وقولهم: من ألف، فقد استهدف، فأعدت النظر فيه عدة مرار، وشحذت له صوارم الأفكار، فلم أجد فيما بيدي منه شائبة اعتراض، ورجع الفكر وهو عن جميع مقاصده راض.

وهبني قلت: هذا الصبح ليل!

أيعمى العالمون عن الضياء؟!

وجدير بمن يروم المراء فيه والجدال، أن يصغي إلى ما إليه يقال.

وقال السها للشمس: أنت خفية

وقال الدجى يا صبح: لونك حائل

بل الواجب في ذلك التسليم، وفوق كل ذي علم عليم، غير أن الهمة الأبية، حركتها سواجع ألحان هاتيك الطريقة المرضية، لتدفع عنها اعتراض التفريط، الذي هو سبب البلاء المحيط، مع علم كل عالم، بأن تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آثم. لكن قد قال إمامنا أبو حنيفة رضي الله عنه ووراء لم أسد جاثم. والسلام من كاتبه فقير ربه أحمد كريم المفتي الحنفي لطف الله به آمين. وكتب في الحادي عشر من المحرم الحرام سنة 1285.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٥٢