تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد؛ فإن بعض إخواننا من أهل الحاضرة اطلعوا على ما نجز طبعه من كتابنا «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي كلفتم بطبعه، وكاتبونا بالمكاتيب الواصلة لكم المتضمنة استحسان ما اشتمل عليه، وقد حصل لنا السرور العظيم بذلك؛ حيث رأينا مبادي نجاح سعينا في جمعه وتحصيله بتوجه همم مثل هؤلاء الفضلاء إليه، ولإظهار شكرنا لفضل الأعيان المذكورين نرغب منكم أن تطبعوا مكاتيبهم وتضعوها بلصق كتابنا المذكور، والسلام من محرره خير الدين. وكتب في 17 المحرم سنة 1285.

فمن تلك التقاريظ ما لجناب حامل راية الكتابة باليمين، السابق في ميادين حلبتها بلا مين، محيي رسومها بعد الاندراس، ومؤسس قواعدها على أمتن أساس، الوزير الأفخم، والعلامة الأعظم، سالك مناهج الرشد بدون اعتساف، أبي العباس الشيخ سيدي أحمد بن أبي الضياف، ونصه:

الحمد لله وصلى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم نخبة الوزراء الأركان، وعمدة أهل السياسة والعرفان، ومن لا يفي بمحاسنه بيان سحبان، الطائر الصيت في هذا العصر والأوان، السابق في الميادين، الناسج على منوال الأذكياء المهتدين، ما ينفع في الدنيا وفي الدين، سيدي خير الدين، لا زالت أقواله ناجحة، وسياسته صالحة، وتجارته في الخير رابحة، وفطنته الوقادة للغوامض شارحة، والألسن بالثناء عليها صادحة.

أما بعد السلام، المؤدي لحق المقام، فإنه وصلني من فضلكم وصداقتكم ما سبى فكري ولبي، زيادة على كمية حبي، وهو تأليفكم المسمى بأقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك، فرأيته كالصبح في الدجى الحالك، يحذر السالك من مهاوي الغرور والمهالك، فزادك والله كمالا على كمالك، أوضحت فيه من قواعد شريعتنا المحمدية الصالحة لكل زمان، بما فيها من اعتبار المصالح والاستحسان، ما يروي الظمآن بأبلغ بيان، حتى اتضح سرها للعيان. وبينت أسباب التقدم في المعارف التي أساسها العمران، الذي جاءت به الشرائع والأديان، على أعذب أسلوب، جاذب للقلوب، وقمت فيه بشهادة الله مقام علماء الدين، والأئمة المهتدين، بنقل ما حررته عن أولئك المجتهدين، فكان كتابك في ذلك كسراج المهتدين، ولكل وقت سراجه، ولكل مطلوب منهاجه، ولكل داء علاجه، ولو رآه شيخنا الذي ملأ علمه النواحي، سيدي إبراهيم الرياحي، لأعاد التمثل فيه مصادفا محز التنزيل، بقول الإمام ابن مالك في طالعة «التسهيل»، وإذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية، فغير غريب أن يدخر للمتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين، وإنك والحمد لله من هؤلاء المتأخرين الذين قال فيهم ما قال، ولكل علم رجال، ولكل مقام مقال، ولكل سابق مجال، حليت به حاضرة تونس، وصيرتها كاسمها تونس.

هذا ما أقوله في كتابك وفيك، والذي ملأ العصر يكفيك جزاك الله عن محبة وطنك وبلادك، منبت إسعادك، بما تجده يوم معادك، وكثر في الأمة الإسلامية من أفرادك، والسلام عليكم ورحمة الله من العارف بقدركم، المبتهج بفخركم، أحمد بن أبي الضياف. كتبه في السادس والعشرين من ذي الحجة الحرام متمم سنة 1284.

ومنها ما لتاليه فيها بل المصلى، وواشي برودها والمحلى، الآتي من أغراضها بالصواب، ومن فنونها باللذيذ المستطاب، منور أحلاك ظلامه الداجي، أبي عبد الله الشيخ سيدي محمد الباجي، رئيس الكتبة بوزارة العماله، سدد الله بمنه أحواله، ونصه:

بسم الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله

وأخلاق خير الدين إن شئت مدحه

وإن لم أشأ تملي علي فأكتب

سيدي إنسان المعارف ورجل السياسة، ومن قدمته كمالاته في ميادين الرئاسة، المدافع ببراعة يراعه عن حوزتي الغيرة والحماسة، فتح الله تعالى أصداف آذان القلوب لاقتناء دررك المصونه، الناظمة عقودها أبكار الكلام وعونه.

وصل عبد أياديكم، وأقدم مريديكم، ما تشرف به من تأليفكم الطائر الصيت، المحيي مضمونه كل قلب مريض وميت، المسمى بأقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك، فكحلت بإثمده أجفاني، وملأت بالمسرة به رحابي وجفاني، وحمدت الله تعالى على جميل اعتنائه بهذا العالم الإنساني، ووددت والله لو طالعه لسان الدين ووليه، وعرض عليهما وسميه ووليه، ليقلدا نحره بما لديهما من نفائس الجواهر، ويعلما ما في زوايا العصور من ذخائر المفاخر، ومصداق قول الشاعر؛ كم ترك الأول للآخر.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٥١