تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن اطلع على شيء من كتب الجاحظ سلم بما نقلناه من تقريظه، وحكم أنه المرجع في خزانة أدبنا، بل هو الشارع للتأليف، ولا يزال إماما يهتدى بهديه.

قال ابن العميد: ثلاثة علوم الناس كلها عيال فيها على ثلاثة أنفس؛ أما الفقه فعلى أبي حنيفة، وأما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة فعلى أبي عثمان الجاحظ.

ولقد ألف أبو حيان التوحيدي كتابا في تقريظ الجاحظ. وقيل لأبي هفان: لم لا تهجو الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.

ولقد بلغ الجاحظ من جلالة القدر أن يرى نفسه في آخر أيامه أعظم من أن ينقطع إلى الخلفاء، وكأن الوزراء والحجاب عرفوا منه ذلك، فلقد كتب إليه الفتح بن خاقان كتابا يقول في فصل منه:

إن أمير المؤمنين يجد بك ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه لعلمك ومعرفتك لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول فيه ومتوفر عليه.

وفي ابن خلكان أن بعض البرامكة مر بالبصرة والجاحظ عليل، فذهب ليراه، فلما قرع الباب خرجت خادم، فقالت: من أنت؟ فقال: رجل غريب، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ. فبلغته الخادم ما قال. فقال الجاحظ: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي، فقال أحب أن أراه قبل موته، فأقول قد رأيت الجاحظ.

والأخبار في هذا الباب مستفيضة، نختمها بما رواه ابن عساكر في تاريخه، ولا ندري كنه هذه الرواية ؛ أهي من جد الجاحظ أم هزله؛ قال علي بن قاسم الخوافي: حدثني بعض إخواني أنه دخل على الجاحظ فقال: يا أبا عثمان، كيف حالك؟ فقال الجاحظ: سألتني عن الجلة فاسمعها مني واحدا واحدا؛ حالي أن الوزير يتكلم برأيي وينفذ أمري، ويواتر الخليفة الصلات إلي، وآكل من لحم الطير أسمنها، وألبس من الثياب أفخرها، وأجلس على ألين الطبري، وأتكئ على هذا الريش، ثم أصبر على هذا حتى يأتي الله بالفرج. فقال له الرجل: الفرج ما أنت فيه. قال: بل أحب أن تكون الخلافة لي، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري، ويختلف إلي، فهذا هو الفرج.

| أسلوبه وخصائصه

لا أعرف في كتاب العربية كاتبا يداني الجاحظ في قوة طبعه على الإنشاء، وانقياد الجمل إليه، فهو في النثر كالبحتري في الشعر، وطبع كل منهما في فنه مضرب المثل، وما أشبه الجاحظ في ترادف جمله بالبحر الزاخر، ما يرسل موجة إلا ليعقبها بأخرى.

يروعك من أسلوب الجاحظ ذلك السمو في المفردات والتراكيب الصادرة عن طبع فياض، ليس للتعمل فيه أثر البتة؛ فهناك ما شئت من سلاسة وسهولة، وهناك ما شئت من بسط وإسهاب. وأعظم من هذا تلك الشخصية البارزة الماثلة في كل فقرة من فقر الجاحظ، فما أذكر أنني قرأت فصلا إلا تمثل لي في كل جملة عينان جاحظتان تنظران نظرات فيها من معاني الجد والهزل ما لا تترجم عنه إلا العيون، فهو من هذه الجهة أكبر كتاب العربية شخصية، وكل كلمة من كلماته تكاد تكون مطبوعة بطابعه الخاص.

يكثر الجاحظ من الاستطراد حتى يخرج بالقارئ عن الموضوع الذي عقد له الفصل، وما أظن ذلك ناشئا إلا عن غزارة مادته وطاعة الألفاظ له وكثرة المران على الجدل.

عالج الجاحظ كل ما عرف لوقته من ضروب العلم؛ فكتب في التوحيد والقرآن ومذاهب الفرق الإسلامية، وكتب في الأدب وفنونه شعرا ونثرا، وجدا وهزلا، وكتب في الأخلاق والاجتماع وطبائع الناس، وكتب في الحيوان والنبات، ولم يفته أن يكتب في الطب والكيمياء؛ فكأن كتبه صورة عن الكون، تبتدئ بالذر الحقير وتنتهي إلى الخالق العظيم، ولا تخطئ ما بينهما.

يعمد الجاحظ إلى الموضوع الحقير كالنملة مثلا، فلا يزال يصف طبائعها ويورد الحقائق على حزمها حتى تعظم في نفسك. ويقصد إلى الموضوع العظيم كمحنة الإمام أحمد في القول بخلق القرآن، فلا يزال يهون المحنة حتى تظن أن الإمام غلب بالحجة لا بالقوة. وذلك من سحر البيان، وإن من البيان لسحرا، وهو بعد في دقة التصوير وحكاية الواقع ووصف الحديث آية لا تعدلها آية.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)ص ٤