أدب الجاحظ أدب واقعي، بل طبيعي، يؤثر التصريح على التلويح، ويصور الحقيقة كما هي، ويرى في ذلك السبيل الأقوم فيدعو إليه، ويعيب من يرغب عنه. قال: «لكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء؛ فالسخيف للسخيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال. وإن كان موضع الحديث على أنه مضحك وملهي، وداخل في باب المزاح والطيب، فاستعملت فيه الإعراب انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف، وأبدلت السخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على يسر النفوس يكربها ويأخذ بأكظامها. وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر و... و... ارتدع وأظهر التعزز واستعمل باب التورع، وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا الشكل من التصنع.»
وربما تعمد الجاحظ اللحن في نقل أحاديث الناس ليحافظ على روايتها كما نطق بها أصحابها. قال في كتاب الحيوان يحكي ما قاله إبراهيم النظام في كلب: «إن كنت سبع فاذهب مع السباع، وعليك بالبراري والغياض، وإن كنت بهيمة فاسكت عنا سكوت البهائم.» ثم قال الجاحظ: «ولا تنكر قولي وحكايتي عنه بقول ملحون من قولي «إن كنت سبع» ولم أقل إن كنت سبعا، وأنا أقول إن الإعراب يفسد نوادر المولدين، كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب؛ لأن سامع ذلك الكلام إنما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج وتلك اللغة وتلك العادة، فإذا دخلت على هذا الأمر - الذي إنما أضحك بسخفه وبعض كلام العجمية التي فيها - حروف الإعراب والتخفيف والتثقيل، وحولته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء وأهل المروءة والنجابة، انقلب المعنى مع انقلاب نظمه وتبدلت صورته.»
وهو لا يقف عند هذا الحد، بل ربما نقل كلام الأعجمي بنصه، قال في كتاب البخلاء يحكي حديث بخيل من أهل مرو تجاهل ضيفا زاره من أهل العراق: لو خرجت من جلدك لم أعرفك. قال الجاحظ: وترجمة هذا الكلام بالفارسية: «كراز بوستت بارون ببائي نشناسيم.»
1
هذا من حيث الرواية والحكاية، وهو في غيرهما أيضا لا يرى بأسا باستعمال الكلمات الفارسية، كقوله في كتاب البخلاء: «وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين
2
الموائد الرفيعة.» وكذلك فإنه استعمل كلمة «بانوان»، وفسرها بقوله: «والبانوان الذي يقف على الباب ويسل الغلق ويقول بانوا، وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي.»
والجاحظ بعد زاهد في السجع، يؤثر السهولة على الحزونة، والوضوح على الغموض، والبسط على الإيجاز. قال بديع الزمان الهمذاني: «كلام الجاحظ بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير مسموعة أو لفظة غير مصنوعة؟»
ومن خصائص الجاحظ في أسلوبه الدعابة والفكاهة والتنادر والسخرية والتهكم، وتلك أمور تخف على نفس القارئ وتستهويه، ولها محل رفيع في آداب الأمم الحية، ولكن أدبنا لا يزال ينقصه شيء كثير منها، والجاحظ في هذا الباب فرد لا يضارعه أحد. •••
أدب الجاحظ أدب حي، مستمد من الدرس والتفكير والتجارب، ولا تكاد تجد مؤلفا يعطيك من هذه الثلاثة كما يعطيك الجاحظ؛ فهو يشارك الرواة في سعة حفظه وروايته، ويشارك الفلاسفة في تفكيره الحر واعتماده على المعقول، ويبذ الجميع في ملابسته للناس على اختلاف طبقاتهم وفهمه لروح عصره. ولو قيض لمجموعة مصنفاته البقاء لكان لدينا صورة ناطقة عن عصر الجاحظ في كل مناحيه، وعما وصل إليه العلم والأدب والاجتماع.
يعتمد أدب الجاحظ على عناصر شتى، أقواها بلاغة العرب في الجاهلية والإسلام، والكتاب والسنة، وما نقل إلى العربية من آداب الفرس واليونان والهنود وفلسفتهم، ولكن أظهر ما يكون فيه الرأي الشخصي والتفكير الحر.