تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد من الإشارة إلى أن المعتزلة من أكثر الفرق الإسلامية تحكيما للعقل واطلاعا على الفلسفة ، وقد وافقوا الفلاسفة في بعض مسائل التوحيد.

الجاحظية

وافترقت المعتزلة إلى فرق عديدة تربو على العشرين، منها الجاحظية، وهم أصحاب الجاحظ. قال الشهرستاني: طالع الجاحظ كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج بعباراته البليغة وحسن براعته اللطيفة، وانفرد بمسائل، منها قوله: إن المعارف كلها طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وليس للعباد كسب سوى الإرادة. وقال بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وقال باستحالة عدم الجواهر؛ فالأعراض تتبدل والجوهر لا يجوز أن يفنى. ومنها قوله في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول النار تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد فيها.

ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات. وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب المعتزلة.

وقال إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم، ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد وجاهل به؛ فالجاهل معذور والعالم محجوج.

وحكى ابن الرواندي عنه أن القرآن جسد يجوز أن يقلب مرة رجلا ومرة حيوانا.

ثم قال: ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة، إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين.

| سعة علمه وجلالة قدره

ما رزقت العربية كاتبا أكثر علما وأوسع مادة وأجمع لأنواع العلوم، معقولها ومنقولها، من الجاحظ. ولقد مر بنا أنه أدرك طائفة من أئمة الأدب وأخذ عنهم، كما أخذ الكلام عن النظام، أحد أئمة المعتزلة، وأكثر من مطالعة كتب الفلسفة. قال أبو هفان: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر.

وذكر ابن عساكر أن الجاحظ حدث عن حجاج بن محمد، والقاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس النميري؛ وروى عنه أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، وأبو بكر عبد الله بن أبي دواد، ودعامة بن الجهم، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ويموت بن المزرع، وأبو العيناء محمد بن القاسم، وأبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي.

ولقد كان شعار الجاحظ في طلب العلم قوله: إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئا، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح. وقوله أيضا: وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم لم يدع الأول للآخر شيئا، فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلا.

على هذه الطريقة طلب الجاحظ العلم، فاطلع على علوم المتقدمين والمتأخرين لعصره، واستنبط واجتهد وانتقد وزاد وألف في الأدب والعلم والدين، وكان إماما في كل منها.

قال المرزباني: قال أبو بكر أحمد بن علي: كان أبو عثمان الجاحظ من أصحاب النظام، وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، وله كتب كثيرة مشهورة جليلة في نصرة الدين وفي حكاية مذهب المخالفين، والآداب والأخلاق، وفي ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرءوها وعرفوا فضلها، وإذا تدبر العاقل المميز أمر كتبه، علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان ومعرفة أصول الكلام وجواهره وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها. والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون الرجال ويميزون الأمور.

وقال ثابت بن قرة: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة: أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته و... إلخ؛ والثاني الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى و... إلخ؛ والثالث أبو عثمان الجاحظ خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلم حكى سحبان البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدل، وإن جد خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد، حبيب القلوب ومراح الأرواح، وشيخ الأدب ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفا ، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، والذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، وظهرت خلته، ووطي الرجال عقبه، وتهادوا أربه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)ص ٣