1
فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي دواد لبعض الحاضرين: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه. ثم قال: يا غلام: صر به إلى الحمام، وأمط عنه الأذى، واحمل إليه تخت ثياب وطويلة وخفا. فلبس ذلك ثم أتاه، فتصدر في مجلسه، ثم أقبل عليه وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان. واصطلحت الحال بينهما، وأهدى إليه الجاحظ كتاب البيان والتبيين.
واتصل الجاحظ أيضا بالفتح بن خاقان، وسافر معه إلى دمشق ووصف مسجدها في كتابه «البلدان»، كما أنه دخل معه أنطاكية، وشكا من براغيثها وبقها.
وهكذا قضى الجاحظ أيامه في العلم والأدب والتصنيف، حتى أصيب بالفالج في أعقاب عمره، وكان ذلك في أواخر خلافة المتوكل. قيل إن المتوكل وجه من يحمل الجاحظ إليه من البصرة، فقال لمن أراد حمله: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟!
وقال المبرد: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها؟! ثم أنشدنا:
أترجو أن تكون وأنت شيخ
كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب
دريس كالجديد من الثياب
وقال لمتطبب يشكو إليه علته: اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت باردا أخذ برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي. وتوفي الجاحظ بالبصرة في خلافة المعتز، في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين.
| صفته
كان الجاحظ دميم الخلقة، مشوها، جاحظ العينين؛ ولذلك قيل له الجاحظ والحدقي، ولنا من صراحته وفكاهته وحسن أخلاقه دليل على تعرف دمامته؛ فأكثر ما روي عن تشويه خلقه مروي عنه. قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. وهناك أخبار في قبح صورته مروية عنه ، أغفلناها لأنها لا تختلف عما ذكرناه.
ولقد قال فيه بعضهم:
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا
ما كان إلا دون قبح الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بنفسه
وهو القذى في كل طرف لاحظ
| مذهبه
الجاحظ شيخ من شيوخ المعتزلة، وإمام فرقة من فرقهم تدعى الجاحظية، وقبل الكلام عن هذه الفرقة لا بأس بتعريف المعتزلة على سبيل الاختصار.
المعتزلة
المعتزلة - ويسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد - فرقة إسلامية، رئيسها أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار ويحضر حلقته، واتفق أنه انفرد عن أستاذه في مسألة فترك الحلقة واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، وتبعه جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. فسمي وأصحابه معتزلة.
انفرد المعتزلة عن أهل السنة بآراء في الكلام لا محل للتبسط فيها، ويمكن الإشارة إليها بما يأتي:
اتفق المعتزلة على القول بأن الله تعالى قديم، ونفوا الصفات القديمة أصلا، واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، ونفي التشبيه عنه من كل وجه، وسموا هذا النمط توحيدا.
واتفقوا على أن العبد خالق لأفعاله، خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والله تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عادلا، واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، وسموا هذا النمط عدلا.
واتفقوا على أن المؤمن إذا مات على طاعة استحق الثواب، وإذا مات على كبيرة ارتكبها من غير توبة استحق الخلود في النار، لكن عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا.
واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك، وورود التكاليف ألطاف للباري أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء امتحانا واختبارا.