قال نولدكي: «إن الآداب اليونانية لم تمس من حياة الفرس إلا ظاهرها، ولكن دين العرب وسننهم نفذت إلى قلوبهم.»
فاللغة الفارسية بعد الإسلام أضحت غيرها قبل الإسلام لكثرة ما دخل عليها من الكلمات العربية وأساليب بيانها، وأصبح القرآن والحديث مصدر الأدب الفارسي، فشاع الاقتباس منهما والإشارة إليهما، حتى إنه يكاد يكون في كثير من مناحيه أدبا عربيا مترجما، فالأوزان الشعرية ومصطلحات فنون البلاغة في المعاني والبيان والبديع مأخوذة بأعيانها عن العربية، فضلا عن الاستشهاد بتاريخ العرب وخلفائهم، وضرب المثل ببلغائهم وشعرائهم، واعتبارهم المثل الأعلى في البلاغة، حتى إن الناظر في الأدب الفارسي ليصعب عليه فهم روحه إذا لم يكن ذا إلمام بالحياة الإسلامية واللغة العربية.
وقد كان من اللباقة في المنطق والإنشاء أن يكثر الفارسي من استعمال الألفاظ العربية، قال كيكاوس حفيد قابوس بن وشمكير في كتاب ألفه لتهذيب ابنه جيلان شاه واسمه قابوسنامه: «إذا كتبت رسائلك بالفارسية فلتكن مشوبة بالعربية، فإن الفارسية الصرف لا تعذب في المذاق.»
اجتهد الفرس في تكوين أدبهم هذا، ولكن اللغة العربية كانت صاحبة المحل الأرفع عندهم، فقد ظلت لغة الدين والحكومة والعلم فيما بينهم حتى بعد أن استقلوا عن العرب، وظلوا يصطنعونها في تلك الأغراض الثلاثة حتى اجتاح المغول بلادهم في القرن السابع، فأضحت منذ ذاك الحين لغة الدين والفلسفة فقط.
ويجدر بنا هنا أن نورد دليلا من كلام ابن المقفع على مبلغ إكبار الفرس للعرب، قال: «إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت أصحاب إبل وغنم وسكان شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما شاء فيحسن ويقبح ما شاء فيقبح، أدبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم خصم.»
وإليك مثالا آخر يدلك على مبلغ تأثر الفرس بالروح الإسلامية ومقتهم لعاداتهم المجوسية حتى الأعياد القومية منها، كتب بديع الزمان الهمذاني رسالة في ذم السذق - وهو أحد أعياد الفرس المشهورة - جاء فيها: «هذا هو العيد والضلال البعيد، إنهم يشبون نارا هي موعدهم، والنار في الدنيا عيدهم، والله إلى النار يعيدهم، ومن لم يلبس مع اليهود غيارهم لم يعقد مع النصارى زنارهم ولم يشب مع المجوس نارهم، إن عيد الوقود لعيد إفك، وإن شعار النار لشعار شرك، وما أنزل الله بالسذق سلطانا، ولا شرف نيروزا ولا مهرجانا، وإنما صب الله سيوف العرب على رءوس العجم لما كره من أديانها وسخط من نيرانها، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم حين مقت أفعالهم.»
ولهذا الحديث شجون، وهناك كثير من الأدلة على مبلغ أثر العرب في الفرس من حيث الدين والأدب، نكتفي بما ذكرناه هنا على أن نأتي بالبقية في رسالة الوزيرين: ابن العميد والصاحب ابن عباد.
ولعل القارئ بعد الآن لا يستسرف نبوغ الفرس في الأدب العربي بعد أن راز مبلغ أثر العرب فيهم، وابن المقفع واحد منهم.
| أثر الفرس في العرب
كان اتصال بين العرب والفرس في الحيرة واليمن قبل الإسلام وفي بلاد فارس بعد الإسلام، أما في الحيرة واليمن فقد كانت السيادة للفرس؛ لأن ملوك الحيرة كانوا تحت سيطرة الأكاسرة، كما أنهم أعانوا عرب اليمن على إخراج الأحباش من أرضهم، وكان ذاك بسعي سيف بن ذي يزن لدى أنوشروان، فعرف اليمنيون هذه الصنيعة لهم ودعوهم أبناء الأحرار، وما زالت ألسنتهم رطبة بالثناء عليهم حتى بعد الإسلام بنحو ثلاثة قرون، قال البحتري في قصيدته في إيوان كسرى يشير إلى جميل صنعهم مع أجداده اليمانيين:
فلها إن أعينها بدموع
موقفات على الصبابة حبس