ولكن من الغريب أن أمة هذا مبلغها في الملك والحضارة والعلم والأدب لم يحفظ لها التاريخ شيئا من الشعر قبل الإسلام يعتد به.
واللغة الفارسية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الفارسية القديمة، وعصرها من سنة 550 إلى سنة 330 قبل الميلاد. والفهلوية وقد أزهرت في عصر الساسانيين، وعنها ترجمت الكتب إلى العربية، وقد ظلت حية إلى ما بعد الفتح العربي بأكثر من قرن. والفارسية العصرية وعصرها من بعد الفتح العربي إلى العصر الحاضر، وهي التي دخل عليها كثير من الكلمات بالعربية بعد أن دان أكثر الفرس بالإسلام.
على أن الفرس وإن دانوا بالإسلام فما زالت نفوسهم تطمح إلى الاستقلال عن العرب، قال أحد غلاتهم:
أنا ابن المكارم من آل جم
وطالب إرث ملوك العجم
فقل لبني هاشم كلهم
هلموا إلى الخلع قبل الندم
وعودوا إلى أرضكم بالحجاز
وأكل الضباب ورعي الغنم
والذين لم يحسن إسلامهم من الفرس قاموا في صدر الدولة العباسية بمقالات دينية تضرب بعرق إلى المجوسية، وفتنوا بها كثيرا من الناس، مثل بها فريد المتكهن الذي كان يصلي الصلوات الخمس بلا سجود متياسرا عن القبلة، وسنباذ وإسحاق اللذين مر ذكرهما، وغير أولئك ممن حارب العرب بالقول أو الفعل.
أما الذين لم يدخلوا في الإسلام، فقد بقي كثير منهم في بلادهم على المجوسية، وظلت بيوت نيرانهم موقدة يقضون بها مناسكهم.
ولئن شاعت العربية في بلاد فارس وحذقها العلماء، فالفارسية ظلت حية بين أبنائها، فلقد روي عن جيش المختار الذي ثار على عبد الملك بن مروان أنه كان يتكلم بالفارسية، وهذا أبو تمام الطائي يقول وقد سمع مغنية فارسية في أبر شهر:
أيا سهري ببلدة أبر شهر
ذممت إلي في نومي سواها
شكرتك ليلة حسنت وطابت
أقام سرورها ومضى كراها
سمعت بها غناء كان أولى
بأن يقتاد نفسي من غناها
ومسمعة يحار السمع فيها
ولم تصممه لا يصمم صداها
مرت أوتارها فشفت وشاقت
ولو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها ولكن
ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فبت كأنني أعمى معنى
يحب الغانيات وما يراها
وقد كان ذلك في أوائل القرن الثالث. وفي القرن الرابع سمعنا المتنبي يقول في شعب بوان:
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
وهكذا، فلقد ضن الفرس بلغتهم وتحينوا الفرص حتى أتيح لهم أن يستقلوا عن العرب ويكونوا لهم أدبا رائعا.
| أثر العرب في الفرس
العرب والفرس أمتان متجاورتان، كان اتصال بينهما قبل الإسلام وبعده، وتركت كل منهما أثرا في الثانية، أما أثر العرب في الفرس قبل الإسلام فضئيل؛ لأن الفرس كانوا أعظم من العرب في الملك والحضارة والعلم، ومع ذلك فقد اتخذ الأكاسرة كتابا من العرب كلقيط بن يعمر الإيادي الشاعر الجاهلي القديم الذي كان كاتبا في ديوان سابور ذي الأكتاف في القرن الرابع للميلاد، وهو صاحب القصيدة البارعة التي يحذر بها قومه من غزو الفرس، والتي منها قوله:
وقلدوا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
وعدي بن زيد العبادي كاتب كسرى.
ولقد كان للفرس رأي حسن في أخلاق العرب وتربيتهم، فقد روي أن بهرام جور - أحد ملوك الفرس - أرسله أبوه وهو حدث إلى المنذر بن النعمان ملك الحيرة ليشرف على تهذيبه وتعليمه، فأحضر له مؤدبين علموه الكتابة والرمي والفقه وأجاد العربية، وظل في الحيرة حتى مات أبوه، وساعده المنذر على تمليكه على الفرس، وكان ذلك في أوائل القرن الخامس للميلاد، ومن هنا وهم أدباء الفرس وقالوا: إن بهرام هو الذي ابتكر الأوزان الشعرية، وفاتهم أنه تلقاها عن العرب في الحيرة.
ثم لما بعث النبي - عليه السلام - كان سلمان الفارسي أول من آمن به من الفرس، فدان بالإسلام وأخلص له حتى قال النبي - عليه السلام: «سلمان منا أهل البيت.»
ولما فتح العرب بلاد فارس في خلافة عمر - رضي الله عنه - بدأ الفرس يدخلون في الإسلام، فلم ينقض القرن الأول حتى شملهم الإسلام إلا قليلا منهم، وشاعت بينهم اللغة العربية، واختلطوا بالعرب وتسموا بأسمائهم، وكتبوا الفارسية بالحروف العربية، وأثرت فيهم الثقافة الإسلامية أثرا عميقا، بل خلقتهم خلقا جديدا حتى جعلتهم يقطعون الصلة بينهم وبين أدبهم القومي قبل الإسلام إلا يسيرا منه.