ذاك عندي وليست الدار داري
باقتراب منهم ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي
غرسوا من ذكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدوا قواه
بكماة تحت السنور حمس
وأعانوا على كتائب أريا
ط بطعن على النحور ودعس
وأراني من بعد أكلف بالأش
راف طرا من كل سنخ وأس
وأما في بلاد فارس فقد كان العرب هم السادة، وأثر الفرس في العرب قبل الإسلام لم ينفذ إلى قلوب العرب؛ لأنهم لم يدينوا بدينهم، اللهم إلا مجوسية في تميم وزندقة في قريش، ولم يكونوا في الحيرة واليمن محكومين لهم حكما مطلقا، ولأن للعربي حرية غريزية تأبى عليه الانقياد لغيره، ولأنه فخور بعروبته مزهو ببلاغته، على أن اتصال العرب بالفرس ومجاورتهم لهم أدخلت على العربية طائفة صالحة من الألفاظ الفارسية، مثل: «حربا
1
وبربط
2
وإبريق
3
وإستبرق
4
ويرندج
5
ودمقس
6
وزنبق
7
وبخ بخ
8
وغرنوق
9
وفنزج
10
وفالوذ
11
وياسمين وشاهسفرم ونرجس
12
والخورنق والسدير،
13
إلى غير ذلك من الكلمات الفارسية التي استعملها العرب قبل الإسلام بعد أن عربوها وتداولها بلغاؤهم في أشعارهم، ولقد أغرق بعض متنطعي الفرس وزعم أن مكة - قلب البلاد العربية ومبعث نور الإسلام - اسم فارسي مركب من ماه أي القمر، وكاه أي محل.
وقد أثرت اللغة الفارسية في الشاعر عدي بن زيد العبادي كاتب كسرى حتى ثقل لسانه؛ لذلك فالعلماء لا يرون شعره حجة، وكذلك أعشى قيس فإنه كان يفد على ملوك فارس؛ ولذلك كثرت الفارسية في شعره كما قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء.
ولم يقف الأمر عند اللغة والشعر، بل تعداه إلى العلم، فالحرث بن كلدة الثقفي طبيب العرب رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل تلك الديار من أهل جنديسابور، وذلك يقتضي تعلم لغتهم وإتقانها.
هذا وقد وقع في القرآن الكريم عدة كلمات فارسية، مثل سندس وإستبرق وأباريق وزنجبيل، وروي عن النبي - عليه السلام - أنه استعمل كلمات فارسية على سبيل التلطف، قال أبو هريرة: هجر النبي
صلى الله عليه وسلم
فهجرت وصليت، ثم جلست فالتفت إلي وقال: شكم درد؟
14
فقلت: نعم. فقال: قم فصل، فإن في الصلاة شفاء.»
ثم لما فتح العرب بلاد فارس ودان الفرس بالإسلام بقيت الفارسية مستعملة في دواوين الحكومة هناك إلى أيام عبد الملك بن مروان إذ أمر بنقلها إلى العربية، فلما حلت العربية محل الفارسية لم يجد العرب غضاضة في اقتباس بعض مناهج الكتابة الديوانية عن الفرس، فلقد روي عن عبد الحميد بن يحيى كاتب بني أمية أنه استعان بالأوضاع الفارسية لما شرع معالم الكتابة العربية. قال أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين: «من عرف ترتيب المعاني واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام ما تهيأ له في الأولى، ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي فحولها إلى اللسان العربي؟»
ولكن نقل الدواوين من الفارسية إلى العربية لم يجعل القوم يتناسون لغتهم، بل ظلت حية فيما بينهم مع تعلمهم للغة العربية، وكان لهم شأن في الأدب وأمور الحكومة أيام بني أمية، قال سليمان بن عبد الملك: «العجب لهذه الأعاجم كان الملك فيهم فلم يحتاجوا إلينا، فلما ولينا لم نستغن عنهم.» وقال أيضا: «ألا تتعجبون من هذه الأعاجم؟ احتجنا إليهم في كل شيء حتى في تعلم لغاتنا منهم.»
ومن علمائهم الذين اشتغلوا باللغة والأدب في أيام بني أمية عنبسة الفيل أحد أصحاب أبي الأسود الدؤلي، وأبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، توفي في أيام هشام بن عبد الملك، وحماد الراوية الذي كان بنو أمية يستزيرونه من الكوفة ليحدثهم بأيام العرب وينشدهم أشعارها، وحماد عجرد الذي نادم الوليد بن يزيد، وأبو العباس الأعمى واسمه السائب بن فروخ أحد شعراء بني أمية، وزياد الأعجم الشاعر المتوفى سنة 100.