تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرا، ولا تستعينن إلا بمن يحب أن يظفر لك بحاجتك. (3)

لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلياء، فإذا حضروا ذا السلطان لم يرض أحد منهم أن يقر له وأن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل، فاجترءوا عليه بالخلاف والنقض، فإن ناقضهم كان كأحدهم وليس بواجد في كل حين سامعا فهما وقاضيا عدلا، وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول. (4)

ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد. (5)

إن آثرت أن تفاخر أحدا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث، فاجعل غاية ذلك الجد، ولا تعدون أن تتكلم فيه بما كان هزلا، فإذا بلغ الجد أو قاربه فدعه، ولا تخلطن بالجد هزلا ولا بالهزل جدا، فإنك إن خلطت بالجد هزلا هجنته، وإن خلطت بالهزل جدا كدرته، غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران، وذلك أن يتوردك متورد بالسفه والغضب فتجيبه إجابة الهازل المداعب برحب من الذراع وطلاقة من الوجه وثبات من المنطق. (6)

إن رأيت صاحبك مع عدوك فلا يغضبنك ذلك، فإنما هو أحد الرجلين: إن كان رجلا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفه عنك وعورة يسترها منك وغائبة يطلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك، وإن كان رجلا من غير خاصة إخوانك فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه أن لا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى؟! (7)

وإذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته أو يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تتعقبه عليه؛ حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته، فإن في ذلك خفة وشحا وسوء أدب وسخفا. (8)

احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضا، وذلك أن العدو خصم تضربه بالحجة وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاض فإنما حكمه رضاه. (9)

حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك وبلغتك، واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع وعلم لتزكية العقل، وأفشى العلمين وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرض عليه علم المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصقالها وجلاؤها فضيلة منزلة عند أهل الفضل في الألباب. (10)

ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسودا، فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه يوكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكفاء والخلطاء، فليكن ما تقابل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك، وأن غنما لك أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحا بصلاحه. (11)

لا تجالس امرأ بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم والجافي بالفقه والعي بالبيان، لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف وغمك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه. واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له ونقضوه عليك وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به. (12)

اتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق ويشكر للمكتئب. (13)

اعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودة، إذا لم يخالط ذلك بأو ولا عجب، أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن. (14)

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ٢٠