أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن والأدب النافع والإخوان الصالحون. (5)
إذا هممت بخير فبادر هواك لا يغلبك، وإذا هممت بشر فسوف هواك لعلك تظفر، فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغنم. (6)
لا يمنعك صغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت من رأيه صوابا والاصطفاء لما رأيت من أخلاقه كريما، فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها. (7)
أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك. (8)
ومن أحسن ذوي العقول عقلا من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده تقديرا لا يفسد عليه واحدا منهما نفاد الآخر، فإن أعياه ذلك رفض الأدنى وآثر عليه الأعظم. (9)
وكان يقال الرجال أربعة: اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت أمر تجربتهما.
فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما فإن أحدهما بر كان مع أبرار، والآخر فاجر كان مع فجار، فإنك لا تدري لعل البر منهما إذا خالط الفجار أن يتبدل فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما إذا خالط الأبرار أن يتبدل برا، فيتبدل البر فاجرا والفاجر برا.
وأما اللذان قد كفيت تجربتهما وتبين لك ضوء أمرهما فإن أحدهما فاجر كان في أبرار والآخر بر كان في فجار. (10)
حق على العاقل أن يتخذ مرآتين، فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر في الأخرى في محاسن الناس فيحليهم بها، ويأخذ ما استطاع منها. (11)
وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى «والهوى آفة العفاف»، وتركه العمل فيما يعلم أنه صواب تهاون «والتهاون آفة الدين»، وإقدامه على ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح «والجماح آفة العقل». (12)
أمور لا تصلح إلا بقرائنها: لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق. (13)
اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة ولا تجبن عن العمل. (14)
من استعظم من الدنيا شيئا فبطر، واستصغر من الدنيا شيئا فتهاون، واحتقر من الإثم شيئا فاجترأ عليه، واغتر بعدو وإن قل فلم يحذره، فذلك من ضياع العقل. (15)
إن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا فهو يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالودك ضوءا. (16)
أربعة أشياء لا يستقل منها قليل: النار، والمرض، والعدو، والدين. (17)
وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضا، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره، وأفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل المعرفة بما يكون وما لا يكون، وطيب النفس حسن الانصراف عما لا سبيل إليه، وليس من الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا فيها غم يعدل غم فقدهم. (18)
لا تعد غنيا من لم يشارك في ماله، ولا تعد نعيما ما كان فيه تنغيص وسوء ثناء، ولا تعد الغنم غنما إذا ساق غرما، ولا الغرم غرما إذا ساق غنما، ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة. (19)
ومن المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه، وإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه، وإذا فرق بين الأليف وأليفه فقد سلب قراره وحرم سروره.
أمثلة من الأدب الكبير (1)
إنما يحمل الرجل على الحلف إحدى هذه الخلال: إما مهانة يجدها في نفسه وضرع وحاجة إلى تصديق الناس إياه، وإما عي بالكلام حتى يجعل الأيمان له حشوا ووصلا، وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل منه قوله إلا بعد جهد اليمين، وإما عبث في القول أو إرسال اللسان على غير روية ولا تقدير. (2)