تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى يقضي حديثه، وقلة التلفت إلى الجواب، والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول. (15)

إذا كنت في قوم ليسوا بلغاء ولا فصحاء، فدع التطاول عليهم في البلاغة أو الفصاحة. (16)

اعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك فيما تحذر، وأن شدة الاتقاء تدعو إليك ما تتقي. (17)

إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤنة ولا يستخف له رأيا ولا بدنا، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين، وكان يرى ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا، وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يجد قاضيا عدلا وشهودا عدولا، وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء، ولا يصحب إلا من يرجو عنده النصيحة، وكان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشهى ولا يتشكى ولا ينتقم من الولي ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه بحيلته وقوته.

فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع، وبالله التوفيق.

| أمثلة من رسائله

(1)

كتب يعزي عن ولد: «إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمعن إلى ما فجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه، فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى المرزيتين لك، أخلف الله عليك بخير وذخر لك جزيل الثواب.» (2)

وكتب في حاجة: «أما بعد، فإن من قضى الحوائج لإخوانه، واستوجب بذلك الشكر عليهم، فلنفسه عمل لا لهم، والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره فهو زرع لا بد لزارعه من حصاده أو لعقبه من بعده، وكتبت إليك ولحالنا التي نحن بها فيما نذكرك حاجة أول ما فيها معروف تستوجب به الشكر علينا وتدخر به الأيادي قبلنا.» (3)

وكتب يعزي عن ابنة: «جدد الله لك من هبته ما يكون خلفا لك بما رزئته، وعوضا من المصيبة به، ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقل كثير الدنيا في قليل الآخرة مع فناء هذه ودوام تلك.» (4)

وله من كتاب إلى بعض أصدقائه: «كان من خبري بعدك أني قدمت بلد كذا، فتهيأ لي بعض ما شخصت له، والمحمود على ذلك الله عز وجل، وأنا على أن يأتيني خبرك محتاج، فأما جملة خبري في فراقك، فقلبي مكة كل ما سواك حرام فيها.» (5)

وكتب إلى يحيى بن زياد الحارثي ابتداء في المؤاخاة: «أما بعد، فإن أهل الفضل في اللب، والوفاء في الود، والكرم في الخلق، لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم ويخبر عن صحة ودهم وثقة مؤاخاتهم، فيتخير إليهم رغبة الإخوان، ويصطفي لهم سلامة صدورهم، ويجتني لهم ثمرة قلوبهم، فلا مثني أفضل تقريظا ولا مخبر أصدق أحدوثة منه.

وقد لزمت من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودة، نسبت إلى مزيتها في الفضل، وجمل بها ثناؤك في الذكر، وشهد لك بها لسان الصدق فعرفت بمناقبها، ووسمت بمحاسنها، فأسرع إليك الإخوان برغبتهم مستبقين يبتدرون ودك ويصلون حبلك ابتدار أهل التنافس في حظ رغيب، نصبت لهم غاية يجري إليها الطالبون ويفوز بها السابقون، فمن أثبت الله عندك بموضع الحرز والثقة، وملأ بك يده من أخي وفاء ووصلة، واستنام منك إلى شعب مأمون وعهد محفوظ، وصار مغمورا بفضلك عليه في الود، يتعاطى من مكافأتك ما لا يستطيع، ويطلب من أثرك في ذلك غاية بلوغها شديد، فلو كنت لا تؤاخي من الإخوان إلا من كافأ بودك، وبلغ من الغايات حدك؛ ما آخيت أحدا، ولصرت من الإخوان صفرا، ولكن إخوانك يقرون لك بالفضل، وتقبل أنت ميسورهم من الود، ولا تجشمهم كلف مكافأتك، ولا بلوغ فضلك فيما بينك وبينهم، فإنما مثلك في ذلك ومثلهم كما قال الأول:

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ٢١