تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ، قال: هذا ما لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.

ولا يخفى أن الإسهاب والإيجاز أمران اعتباريان بالنسبة لكل عصر، فابن المقفع مسهب بالنسبة لمن تقدمه من البلغاء، موجز بالنسبة لمن أتى بعده من الكتاب، ولكن إيجازه غير إيجاز العرب الخلص الذي سبقت إليه الإشارة.

وكلام ابن المقفع مع اتساقه وتساوقه وجريه مع الطبع يسهل تارة ويجزل أخرى، كقوله وفيه من القوة والمتانة ما فيه: «وقد أصبح الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولين منقوصين، فقائلهم باغ وسامعهم عياب وسائلهم متعنت ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف، ومستشيرهم غير موطن نفسه على إنفاذ ما يشار به عليه ... إلخ.»

أما أثره في الإنشاء العربي فعظيم جدا، يدلنا على ذلك إقبال الناس على آثاره بالقراءة والحفظ والنظم والمعارضة منذ القرن الذي عاش فيه كما مر ذلك عند الكلام على كليلة ودمنة، ولا تزال آثاره الباقية حتى الآن حية تقرأ وتدرس وتستظهر بشوق ولذة مع قدم عهدها، وستبقى خالدة ما بقيت العربية، ولا يزال أسلوبه مثالا عاليا في الإنشاء يحتذيه كثير من الأدباء ويدعو إليه، وهذه مزية لم تتح لغيره من كتاب العربية، وأكاد أقول: من كتاب سائر اللغات.

| شعره

لابن المقفع شعر قليل وصفوه بالجودة، وهو معدود من شعراء الكتاب المقلين، ولكنه كان لا يرتضي شعر نفسه، قيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه، ولم يبق من شعره إلا أبيات قليلة، منها ثلاثة أبيات رثى بها صديقه يحيى بن زياد الحارثي، رواها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة، وهي:

رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله

فلله ريب الحادثات بمن وقع

فإن تك قد فارقتنا وتركتنا

ذوي خلة ما في انسداد لها طمع

فقد جر نفعا فقدنا لك أننا

أمنا على كل الرزايا من الجزع

وروى له الراغب الأصبهاني في كتابه المحاضرات قوله في الشراب:

سأشرب ما شربت على طعامي

ثلاثا ثم أتركه صحيحا

فلست بقارف منه آثاما

ولست براكب منه قبيحا

وروى له القاضي عبد العزيز الجرجاني في كتاب الوساطة هذا البيت:

ويقتلني فيقتل بي كريما

يموت بموته بشر كثير

وجعله مصدرا لقول المتنبي:

غدرت يا موت كم أفنيت من عدد

بمن أصبت وكم أسكت من لجب

وشعر ابن المقفع كما ترى ينادي على نفسه بأنه شعر كاتب لا شاعر.

| نصوص من كلام ابن المقفع

أمثلة من الأدب الصغير (1)

على العاقل - ما لم يكن مغلوبا على نفسه - أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أمره، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها مما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على الساعات الأخر، وإن استجمام القلوب وتوديعها زيادة قوة لها وفضل بلغة. (2)

وعلى العاقل أن لا يكون راغبا إلا في إحدى ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم. (3)

أحق الناس بالسلطان أهل المعرفة، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالفضل أعودهم على الناس بفضله، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديبا، وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علما وأكملهم به عملا، وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله، وأصوبهم رجاء أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفا، وأقواهم أحسنهم معونة، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلجهم بحجة أغلبهم للشهوة والحرص، وآخذهم بالرأي أتركهم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حبا، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعا، وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالا، وأقلهم دهشا أرحبهم ذراعا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي، وأخفضهم عيشا أبعدهم من الإفراط، وأظهرهم جمالا أظهرهم حصافة، وآمنهم في الناس آكلهم نابا ومخلبا، وأثبتهم شهادة عليهم أنطقهم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم، وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها. (4)

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ١٨