تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حِفْظَهُ بِقِراءَتِهِ مَرَّتَيْنِ مِن الكتابِ، منْ حيثُ لا تَحتاجُ إلى قراءَتِهِ أكْثَرَ من مَرَّتَينِ سواءٌ قلَّ المقْدارُ أو كَثر؛ ثم كَرِّرِ المِقدارَ الذي حَفِظْتَهُ سًبْعينَ مرةً أو مائةَ مرَّةٍ دونَ النظرِ في الكتابِ؛ فتكونَ بذلك قدْ تمكَّنْتَ من حَفظِهِ إن شاء الله؛ ثم احْفظْ قدْراً آخرَ بِنَفسِ الطريقِ الذي بَيَّنْتُ لك؛ ثم ضُمَّ القدْرَ الأولَ إلى الثانِي وكَرِّرْهُما مَعاً خَمْسَ مرات؛ ثم تضيفُ قدراً ثالثاً فرابعاً ... ؛ وهكذا؛ وكلما حفظتَ قدراً جديداً ضَمَمْتَهُ إلى ما قَبْلَهُ من المَقاديرِ وكرّرْتَ الجِميعَ خَمْساً، ولا فَرقَ في ذلكَ كلِّهِ بَينَ القرْآنِ الكريمِ والحديثِ النبَويِّ ومُتُونِ العِلْمِ مُنُثُورِها ومَنْظُومِها، حتى تَاتِيَ على حِفظِ ما أرَدْتَ فِي وقْتٍ قليلٍ إن شاء الله.

واعْلم أنكَ متى عَوَّدْتَ نَفْسكَ على حِفظِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ بِقِراءَتِهِ مَرَّتَيْنِ كما أخْبَرتُكَ أمكنَكَ أن تَزيدَ على المِقدارَ شَيئاً بعدَ شيءٍ حتى إنكَ تَبْلُغُ مِعَ المُداوَمَةِ وحُسْنِ التَّدَرُّجِ وجِميلِ الصبرِ إلى حِفْظِ الصفْحَةِ كامِلَةً بِقراءَتِها مَرَّتَينِ إن شاءَ الله.

وأما مُراجَعَةُ المُحْفُوظِ؛ فما حَفِظْتَهُ بالأَمْسِ تُكَرِّرُهُ اليومَ خَمْسَ مرات؛ وما كانَ قبلَ الأمْسِ تُكرِّرُهُ اليومَ أربعاً وما قبلَهُ فثلاثٌ؛ فثِنْتانِ لما قبلَ ذلكَ؛ فواحدَةٌ لما قَبلَ الثِّنْتَيْنِ، وتَجْعَلُ لكَ في كُلِّ عَشَرَةِ أيامٍ إلى أسبُوعَينِ يَوماً تُراجِعُ فِيهِ جَمِيعَ ما مَضى من مَحْفوظك.

ومِنْ مَحاسِنِ هذه الطريقَةِ في الحِفظِ أنها لا تَحتاجُ مَنَ الوقْتِ غَيرَ وقتِ التَّكْرارِ للمَحْفوظِ؛ ثم إنكَ تَستَطيعُ الحِفظَ بِها أثناءَ سَيرِكَ وتَنُقُّلِكَ؛ وفي حِلِّكَ وتَرْحالِكَ؛ وفِي رُكُوبِكَ وعلى قدَمَيكَ؛ بل وفي ساعاتِ الرباطِ في الخنادِقِ ووَقْتَ حِراسَةِ الثغور!!؛ إذ لا تُحْوِجُكَ إلى الجُلوسِ والصمْودِ للكِتابِ ساعاتٍ طَويلَةً كما هِيَ الطريقَةُ المَعْهُودَةُ بَينَ الطلابِ، غيرَ أنّ الواجِبَ عليكَ الحَذَرُ مِنْ رَفعِ الصوتِ وأنتَ تتَرَنَّمُ بِمَحْفوظِكَ أثناءَ حراسَتِكَ في الليلِ خاصَّةً؛ أو أن تُضيءَ مَصباحاً ولو ضَعيفاً يَدُلُّ العدُوَّ عليكَ؛ أو أنْ تَستَمِعَ إلى ما تُريدُ حِفْظَهُ بِسمّاعَةِ أُذُنٍ تَحُولُ بَينَكَ وبَينَ تَرَقُّبِ حَرَكَةِ العدُو؛ فإنكَ تحتاجُ في الحراسَةِ إلى يَقَظَةِ الكُرْكِيِّ وحَذَرِ الغُرابِ!؛ واللهَ اللهَ في أنْ يُؤْتَى الإسلامُ مَنْ قِبَلِكَ؛ أو يُصْطَلَمَ جُنْدُهُ بِسَبَبِك.

واعْلمْ وفَّقكَ اللهُ أنكَ مَتى حَفِظتَ العِلْمَ خالصاً للهِ تعالَى كانَ سَبَباً في حَفظِكَ!؛ فإنهُ داخِلٌ في قَولِ رَسولِ الله صلى الله عليهِ وسلم: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، فإنَّ حِفْظَ اللهِ بِحِفظِ أَوَامِرِهِ ونواهِيهِ؛ وذلكَ لا يَكُونَ إلا بِحِفظِ العِلْمِ والعَمَلِ بِهِ؛ فإنْ كُنْتُ مع ذلكَ مِمنْ تَشرّفْتَ بالجِهادِ في سبلِ الله وبَذلْتَ لهُ نَفْسَكَ فقدْ جَمَعْتَ بَينَ الشرفَينَ ونِلْتَ الحُسْنَيَيْنَ، ولا أحْفَظَ للدينِ منَ الجمْعِ بَيْنَهُما، رَزَقَنِي اللهُ وإياكَ أحْسَنَ القَولِ والعَمل.

والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ.

رسائل الثغور · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الثغورص ٥