تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما السبيلُ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ في مَواطِنِ الجِهادِ معَ قِلَّةِ النافِرينَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ فقدْ أشرتُ إلى شيءٍ من ذلكَ فيما مَضَى، وأزيدُ هنا فأقُول: إعْلَمْ أن العَزائِمَ تُذَلِّلُ الصِّعاب؛ وما أعْلمُ مَكاناً يَكُونُ المرْءُُ فيه أشْرَحَ صدْراً للطلَبِ العِلْمِ مِنْ ميادِينِ الجِهادِ في سِبيلِ الله، ووالذي بَعَثَ مُحَمَّدا صلَّى الله عَلَيهِ وسلمَ بالحقِّ لقدْ جَرَّبْتُ الطلبَ في بَيْتِ اللهِ الحرامِ زادَهُ الله تَشريفا وتَعظيماً وبَينِي وبَينَ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ بَضْعَةُ أذرُعٍ؛ وجَرَّبْتُهُ فِي الثغُورِ وفِي نَحْرِ العَدُوِّ فما وَجَدْتُ الأوَّلَ يُقاربُ الثانِيَ فَضْلاً عن أنْ يُساوِيَهُ!؛ ومَنْ كَبُرَ عَليهِ ما أقولُ فليَقْرا قولَهُ تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

فهذه واحدةٌ؛ وأما الثانِيةُ: فإنَّ اللهَ تعالَى قدْ يَسَّرَ مِن أسبابِ الطلَبِ ووسائلِهِ في زَماننا ما لَمْ يُعْهَدْ لهُ مَثيلٌ من قبل، فَهذه الآلاتُ التي اسْتَحْدَثَها الناسُ قَرَّبَتِ البَعِيدَ ويَسَّرَتْ ما كانَ عَسِيراً؛ حتَّى إن الكَلِمَةَ لَتُقالُ اليَوْمَ أو تَكْتَبُ في المَشْرِقِ فَيَسْمَعُها ويَراها مَنْ في المَغْربِ!؛ وتأمَّلْ ما فِي الأشرِطَةِ السمْعِيَّةِ وأجْهِزَةِ الحاسُوبِ منَ المَنْفَعَةِ العَظِيمَةِ فِي تَقْريبِ العِلمِ وتَسْهيلِ البحثِ عن المسائلِ!؛ بلْ عَهِدتُ شَيْخَنا العلامَةَ أبا زَكَريا عَبدَ السلامِ بنَ عبدِ الرؤوفِ أيامَ طلِبِنا عَلَيهِ يُجيزُ بأسانِيدِهِ في التَفْسِيرِ مَنْ سَمِعَ دُرُوسَهُ فيه بِواسِطَةِ الأشرِطَةِ السمْعِيةِ إذا أثبتَ التلميذُ عنده السماعَ من الطريقِ المذكور؛ وقدْ شافَهَنِي بِتَجْوِيزِهِ ذلكَ نفعَ الله بهِ ولم يَرَ فَرقاً بينَ السماعِ مِنْهُ مُباشَرةً وبَينَ السماعِ بهذه الواسِطَةِ منْ هذه الجهة.

وعِندِي أنَّ لما ذكرَهُ الشيخُ وجْها مُعْتَبراً؛ وإن كُنْتُ لا أَعْمَلُ بِهذا ولا أجيزُ من سَمِعَ من تلامِذَتِي ما لمْ يكنْ سَماعُهُ مِني مُباشَرةً، على أنَّ الطريقَ الذي جَوَّزَهُ شَيخُنا أَعْلَى مِمَّا ذكَرَ الأئمَّةُ جَوازَهُ من بَعْضِ طُرُقِ الروايَةِ كالمُناوَلَةِ مِن غَيرِ سَماعٍ والمُكاتَبَةِ؛ مَعَ اعْتِراضاتٍ تَرِدُ عَلَى اخْتِيارِ الشيخِ لَيسَ هذا مَحَلاً لِبَسْطِها.

ثمَّ أينَ ما كانَ عَليهِ الطلَبُ في الأزْمِنَةِ المُتَقَدِّمَةِ مما هوَ عَلَيْهِ في زَمانِنا من وَفْرَةِ الكُتُبِ وسُهُولَةِ تَحْصِيلِها وجُهودِ العُلَماءِ في خِدْمَتِها بالشرحِ والتحقيقِ وجَودَةِ الطبْعِ وأنواعِ الفهارِسِ الكاشِفَةِ لَمَضامِينِها الدالَّةِ علَى فَوائدِها، وذلكَ كُلُّهُ فَضْلٌ من الله تَعالَى؛ وإقامَةٌ للحجَّةِ على الخلْقِ؛ وهو منْ مَعانِي انْتِشارِ القَلَمِ الذي وَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنه من أشراطِ الساعِةِ.

نَعم؛ لا يَغُرنَّكَ ذلكَ؛ فتركَبَ مَرْكَباً لَسْتَ لهُ بأهْلٍ؛ فإنَّ النبِيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أخْبَرَ عَنْ قَبْضِ العِلْمِ بَقَبْضِ أَهْلِهِ؛ لا بانتِزاعِ العِلْمِ نَفْسِهِ؛ فَدلَّ على أنَّ العِلْمَ ما كانَ في الصدُورِ؛ لا ما حَوَتْهُ السطُور!، وَإنما الحَبْرُ مَنْ يُمْلِي عَلَيهِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ!؛ كما قال السبُكِيُّ في طَبقاتِ الشافِعِيَّةِ الكُبْرى، و العِلْمُ بَحْرٌ لا نِهايَةَ له؛ فَلَيسَ يُحْسنُ العَومَ والسباحَةَ بَيْنَ أمواجِهِ إلا مَنْ أتْقَنَها عِنْدَ شُطْآنِهِ أولاً؛ وإلا كانَ عُرْضَةً للهلاكِ والغرق؛ وإنْ تَوهَّمَ مِنْ نَفسِهِ أو تَوهَّمَ الجاهِلُ مِنهُ غيرَ ذلك.

وأحْسَنُ طُرُقِ الطلَبِ في الثُّغُورِ طِريقُ الحِفظِ للمُتُونِ ومَسائلِ العِلْم؛ وأحْسَنُ طُرُقِ الحِفْظِ بَعْدَ عَونِ اللهِ تعالَى وتَقْواهُ ما رأيْتُهُ في كِتابِ (تَعْليمِ المُتَعَلِّمِ طَريقَ التعَلُّمِ) وغَيرِهِ منَ الكتُبِ وما جَرّبْتُهُ، وهوَ أنْ تَنْظُرَ في المِقْدارِ الذي تَسْتَطيعُ

رسائل الثغور · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الثغورص ٤